.
لمسة يسوع

وحدانية الله

{[['']]}

وحدانية الله


يخبرنا الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد أن الله واحد، لا إله إلا هو. ومجرد ذكر اسم "الله" بـ (ال التعريف) دليل على وحدانيته. وإليك بعض الشواهد من الكتاب المقدس:

من العهد القديم: "فَاعْلمِ اليَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلبِكَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلى الأرض مِنْ أَسْفَلُ. ليْسَ سِوَاهُ" (تثنية 39:4). "اسمعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تثنية 4:6). "أَنَا الرَّبُّ صَانِعٌ كلَّ شَيْءٍ نَاشِرٌ السَّمَاوَاتِ وَحْدِي. بَاسِطٌ الأرض. مَنْ مَعِي؟" (إشعياء 24:44). "أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سوَايَ" (إشعياء 21:45). "أَلَيْسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟" (ملاخي 10:2).

ومن العهد الجديد: "بِالْحَقِّ قُلْتَ لأَنَّهُ اللَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ" (مرقس 32:12). "وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟" (يوحنا 44:5). "لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ" (رومية 30:3). "وَأَنْ لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِدًا" (1كورنثوس 4:8). "وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ" (غلاطية 20:3). "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ" (1تيموثاوس 5:2). "أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ" (يعقوب 19:2).
نوع وحدانية الله

قبل أن أبين بالأدلة العقلية والنقلية والمنطقية النوع الوحيد للوحدانية التي تليق بالله جل جلاله، وأؤيد ذلك بشهادة الفلاسفة الذين يؤمنون بالتوحيد - قبل ذلك أرجع إلى الكتاب المقدس الذي اقتبسنا منه بعض الآيات الدالة على وحدانية الله حيث نجد فيه صيغة الجمع[2] في اسم الله عز وجل - تلك الصيغة التي وردت في العهد القديم نحو ثلاثة آلاف مرة فضلاً عن العبارات الكثيرة الواضحة التي نجد فيها لا ما يفيد الجمع فقط بل الثالوث بالتحديد. وإليك بعض الشواهد الكتابية من العهد القديم:

أول آية في الكتاب المقدس هي: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ (بالعبرية هي إيلوهيم بصيغة الجمع) السَّمَاوَاتِ وَالأرض".

وفي عدد 26 من نفس الأصحاح يقول الله: "نَعْمَلُ الإنسان عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا". وفي عدد 22 من الإصحاح الثالث يقول الله: "هُوَذَا الإنسان قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا". وقوله تعالى "كواحِدٍ منَّا" يدل على وجود أقانيم في اللاهوت. وفي العدد السابع من الأصحاح الحادي عشر يقول الله: "هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ".

وفي مزمور 6:45-7 نقرأ: "كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إلى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِدُهْنِ الاِبْتِهَاجِ". وهنا نرى الآب والابن. وفي (المزمور الثاني) نجد الله الآب الماسح، والله الابن الممسوح، والروح القدس المسحة "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ" (1يوحنا 20:2)، فنقرأ قول الآب عن الابن: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي" (مزمور 6:2). وقول الابن عن الآب: "قال لي: أَنْتَ ابْنِي. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (ع7). وقول الروح القدس عن الابن: "اعْبُدُوا الرَّبَّ بِخَوْفٍ وَاهْتِفُوا بِرَعْدَةٍ. قَبِّلُوا الاِبْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ" (ع 11-12).

وفي مزمور 110 نقرأ: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي"، وهنا نرى الآب والابن. وفي (إشعياء 8:6) نقرأ: "مَنْ أُرْسِلُ (بالمفرد) وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا (بالجمع)؟".

وفي إشعياء 12:48 و16 نقرأ: "أَنَا الأول وَأَنَا الآخِرُ (الابن)... مُنْذُ وُجُودِهِ (الآب) أَنَا (الابن) هُنَاكَ. وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ (الآب) أَرْسَلَنِي (الابن) وَرُوحُهُ (الروح القدس)"، وهنا نرى ثالوثًا في اللاهوت.

ثم إليك هذه الشواهد من العهد الجديد: نقرأ في متى 16:3-17 أن الرب يسوع له المجد عندما اعتمد من يوحنا في نهر الأردن انفتحت له السموات وأتى عليه الروح القدس "نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ»"، وهنا أيضًا نرى الأقانيم الثلاثة.

ونقرأ في (متى 19:28) قول الرب يسوع لتلاميذه: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسم الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ". فنجد هنا أقانيم اللاهوت الثلاثة ونلاحظ أن الرب يسوع يقول: "باسم" لا بـ "أسماء" لأن الثلاثة هم واحد، الله الواحد.

ونقرأ في (إنجيل يوحنا 16:14-17 و26) "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إلى الأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ... وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسمي". وهنا نجد الأقانيم الثلاثة.

ونقرأ في (2كورنثوس 14:13) "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وهنا نجد الأقانيم الثلاثة.

ونقرأ في (غلاطية 6:4) "بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إلى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: يَا أَبَا الآبُ". وهنا نرى الأقانيم الثلاثة. وكذلك في (أفسس 18:2) حيث نقرأ: "لأَنَّ بِهِ (بالمسيح) لَنَا كِلَيْنَا (اليهودي والأممي) قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إلى الآبِ". وكذلك نقرأ في (رسالة يهوذا 20-21) "مُصَلِّينَ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَاحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مَحَبَّةِ اللهِ (الآب)، مُنْتَظِرِينَ رَحْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ".

ولأن الله بثالوث أقانيمه هو إله واحد، لذلك عندما يذكر الكتاب المقدس أقنومين أو أكثر لا يأتي بالفعل بصيغة المثنى أو الجمع بل بصيغة المفرد. مثال ذلك قوله: "وَاللهُ نَفْسُهُ أَبُونَا وَرَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ يَهْدِي (بالمفرد) طَرِيقَنَا"(1تسالونيكي 11:3). وأيضًا "وَرَبُّنَا نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَاللهُ أَبُونَا... يُعَزِّي (بالمفرد) قُلُوبَكُمْ" (2تسالونيكي 16:2-17). ونلاحظ في هذه الآية تقدم ذكر الابن عن الآب لأن الأقانيم الثلاثة واحد في اللاهوت. ومن الخطأ أن نقول: الأقنوم الأول، والثاني، والثالث. ونقرأ أيضًا: "قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا (الآب) وَمَسِيحِهِ (الابن)، فَسَيَمْلِكُ (بالمفرد) إلى أَبَدِ الأبدينَ" (رؤيا 15:11). وأيضًا: "سَيَكُونُونَ كَهَنَةً لِلَّهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ (بالمفرد) أَلْفَ سَنَةٍ ألف سنة (رؤيا 6:20). وأيضًا "وَعَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوف (المسيح الفادي) يَكُونُ (عرش واحد) فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ (بالمفرد)" (رؤيا 22: 3).

الثالوث الأقدس

مما تقدّم، نرى أن الله أعلن ذاته في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، إلهًا واحدًا لا نظير له ولا شريك في ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس. الآب هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله، لا ثلاثة آلهة بل إله واحد، ذات واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد. ولكن ثلاثة أقانيم متحدون بغير امتزاج ومتميزون بغير انفصال. وكل أقنوم أزلي، أبدي، غير محدود، لا يتحيز بمكان أو زمان، كلي العلم، كلي القدرة، كلي السلطان، لأن الأقانيم ذات واحدة.

وكلمة "أقانيم" كلمة سريانية، وهي الوحيدة في كل لغات العالم التي تستطيع أن تعطي هذا المعنى، أي تميّز مع عدم الانفصال أو الاستقلال. لأنه بما أن الله لا شبيه له بين كل الكائنات، وبما أن لغات البشر إنما تصف الكائنات المحدودة، فلا توجد فيها كلمة تعطينا وصفًا للذات الإلهية بحسب الإعلان الإلهي. وبهذه المناسبة أقول أنه لا يجوز بالمرة تشبيه الله الواحد من جهة أقانيمه الثلاثة بتشبيهات من الكائنات كالشمس وغيرها لأن كل الكائنات محدودة ومركّبة، والله غير محدود ولا تركيب فيه. وقد استعملت بعض اللغات كالإنجليزية كلمة "شخص" للتعبير عن الأقنوم، ولكن كل شخص كائن مركّب والله لا تركيب فيه، والأشخاص المتميزون منفصلون، ومهما تماثلوا لا يمكن أن يتعادلوا تمامًا أو يتّحدوا. أما كلمة أقانيم فتعني شخصيات متميزة، ولكن متحدة (بغير امتزاج) وهم ذات واحدة. وربما تكون أقرب كلمة عربية لمدلول الأقانيم هي كلمة "تعينات".

هل هذا معقول؟

تبدو هذه الحقيقة معقدة فعلاً وصعبة الاستيعاب، ولكن أليس هذا دليلاً واضحًا على صحتها وعلى أن الله نفسه هو الذي أعلن ذاته بها؟ لأن الإنسان إذا أراد أن يزيّف إيمانًا أو يصنعه فإنما يصنعه وفق الفطرة البشرية وفي مستوى العقل ليسهّل قبوله واستيعابه. أما إذا كان الأمر خاصًا بحقيقة الله غير المحدود فلا بد أن يكون الإعلان كبيرًا فوق الفهم الطبيعي، وأسمى من العقل ولكن لا يتعارض معه، ليكون المجال لقبول الإعلان الإلهي، للإيمان ولنور الله في القلب كما يقول الكتاب المقدس أن "الإنسان الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ (أي في ما لروح الله) رُوحِيًّا".

(1كورنثوس 14:2)

فالإيمان بإعلان الله عن ذاته ثالوثًا، وإن كان يبدو صعبًا، ولكنه معقول، بل هو المعقول لأننا سبق أن رأينا أن الوحدانية المطلقة لا تليق بالله لأنها تقتضي تنزيهه عن الصفات والعلاقات. ولكن بما أن الله ذات فهو يتصف بصفات وله علاقات. ولكن بما أنه وحده الأزلي فلم يكن غيره في الأزل ليمارس معه الصفات والعلاقات. وبناء عليه تكون صفاته وعلاقاته عاطلة في الأزل ثم صارت عاملة بعد خلق الكائنات، وحاشا أن يكون الأمر كذلك لأن الله منزّه عن التغير، وهو مكتفٍ بذاته، مستغنٍ عن مخلوقاته. إذن لا بد أن الله كان يمارس علاقاته وصفاته في الأزل مع ذاته لأن لا شريك له ولا تركيب فيه. ولا بد في هذه الحالة من الاعتراف بأن وحدانيته جامعة - أي جامعة لتعينات الذات الواحدة، لأن من لا تعين له لا وجود له.

ولا تناقض بين الوحدانية والتعينات لأن الله واحد في جوهره وجامع في تعيناته، لأنه يمارس صفاته وعلاقاته مع ذاته بالفعل منذ الأزل، مع تعيناته وليس مع صفاته لأن الصفات معان، وليست تعينات عاقلة يمكن التعامل معها. فلا يقال مثلاً أن الله كان في الأزل يكلم صفاته ويسمعها ويبصرها ويحبها، أو أن صفاته كانت تكلمه وتبصره وتحبه، ولكن نقرأ في الكتاب المقدس أن الابن يحب الآب، والآب يحب الابن قبل إنشاء العالم، والروح القدس هو "روح المحبة". وكانت هناك مشورة في الأزل بين الأقانيم الثلاثة.

ولا بد من الإقرار بتعينات الله، وإلا جعلناه جوهرًا غامضًا لا يمكن الاتصال به أو معرفة شيء عنه، بينما يتفق الجميع على أنه تكلم مع موسى ومع إبراهيم وأظهر ذاته للأنبياء. ووجود التعينات في الله لا يمس وحدانيته كما قلنا لأن التعينات هم ذات الله وليسوا أجزاء من ذاته، حاشا! بل ذات واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد.

لا شك أن هذه الحقيقة فوق الإدراك البشري لأنه لا شبيه لهذه الوحدانية في الكائنات المنظورة، ولكن هذه الحقيقة لا تتعارض مع العقل بل هي معقولة. وقد شهد بمعقوليتها كثيرون من الفلاسفة الموحدين الذين تعمقوا في البحث.
شارك الموضوع :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق