.
لمسة يسوع
الموضوعات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في انجيل يوحنا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في انجيل يوحنا. إظهار كافة الرسائل

نور العالم





ما دمت في العالم فأنا نور العالم.
الإنجيل حسب يوحنا 9: 5
ربما لم يحدث تطوّر في مضمار الحياة البشرية يضاهي ما جرى في القرن العشرين وخاصة في الحياة المنزلية ووسائط النقل البرّية والبحرية والجوّية. ويرجع هذا إلى اكتشاف الطاقة الكهربائية وتسخيرها في موضوع الإنارة. وتقف على أهمية الطاقة الكهربائية عندما نذهب لزيارة المدن الكبيرة التي تضاء شوارعها بمصابيح كهربائية مبددة للظلام. ما أهم النور في عالمنا! لو لم يكن النور لمّا نبتت المزروعات ولا نعدمت الحياة البشرية والحيوانية بأسرها.
وما نذكره عن النور المادّي ينطبق أيضاً على النور الذي نحتاج إليه في حياتنا الروحية والعقلية. فنحن لسنا بكائنات ذات بعدٍ مادي فقط بل تتكون من جسد وروح وحياتنا الروحية والعقلية بحاجة ماسة إلى نور يضيء لها الطريق. وإنسان اليوم الذي قطع أشواطاً كبيرة في حقل التنوير لم يظهر تقدماً مماثلاً في حقل النور الروحي. فما أكثر الذين واللواتي وقعوا فريسة لنظريات تصوّر الإنسان ككائن مستقل كل الاستقلال عن الله وعن النور المنعش والمحيي الذي نجده في وحيه المقدس. يتباهى إنسان اليوم باستقلاليته عن الله وينكر محدوديته واتكاليته المطلقة على باريه. فحاجتنا الماسة إذن هي أن تعود إلى صفاء الوحي الإلهي الذي يحدّد لنا ماهية النور الروحي ومصدره.
وقد ورد في الإنجيل ما يلي عن موضوعنا هذا من خلال المسيح بمعجزة شفائية لصالح رجل كان قد ولد أعمى. وفيما هو مجتاز رأى إنساناً أعمى منذ مولده . فسأله تلاميذه قائلين: يا معلم، من أخطأ هذا أم أبوه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع: لا هذا اخطأ ولا أبواه، وإنما لتظهر أعمال الله فيه.
كان سؤال تلاميذ المسيح مبنياً على اعتقاد خاطيء أرجع العاهات التي تلمّ ببعض الناس إلى خطيئة معينة كانوا قد ارتكبوها هم أو والدوهم . لم يكن هكذا منطق مقبولا لدى المسيح. وقد أظهرت الآيات التي قام بها المسيح استمرارية أعمال الله في دنيانا وشهدت بأن المسيح كان مرسل الله للقيام بمهمة انقاذية وخلاصية وفدائية. هذا هو الدرس الهام الذي نتعلمه من المسيح الذي قام بمعجزة شفاء الأعمى ومن الكلمات التي تفوّه بها المسيح بخصوص ذلك: ما دمت في العالم فأنا نور العالم.
فمع وجود أسفار الوحي لدى بني اسرائيل في أيام المسيح (أي كتب التوراة والأنبياء والمزامير) إلا أن تعاليمها المحرّرة لم تؤثر على الناس بسبب النظريات الخاطئة عن الإنسان التي كان ينادي بها زعماء اسرائيل. وهكذا فقد الناس ذلك النور الذي كان يشع من الوحي الإلهي وسادت حياتهم غيوم سوداء. فجاءهم المسيح منادياً بكلمة الله ومفسراً لها بطريقة سليمة فأضحت تعاليمه وأعماله الباهرة بمثابة نور إلهي وضّاح بزغ على جميع أنحاء فلسطين.
وقد يقول قائل: كيف يمكن لمعاصري المسيح أن يعيشوا في ظلام روحي بينما كانوا قد اؤتمنوا على أسفار الوحي الإلهي ؟ يكمن الجواب على هذا السؤال في موقف زعماء اسرائيل الدينيين من يسوع المسيح.فقد رفضوا قبول شهادة معجزة شفاء الأعمى واضطهدوه وكذلك رفضوا رسالة صانع المعجزة.
صنع المسيح من التفل طيناً وطلى بالطين عيني الأعمى وقال له: اذهب واغتسل في بركة سلوام. فمضى واغتسل وعاد بصيراً. فقال الجيران والذين كانوا يرونه من قبل يتسوّل: أليس هذا هو الذي كان يجلس ويتسوّل ؟ فقال آخرون: إنه هو. وقال غيرهم: لا، إنه يشبهه. وأما هو فكان يقول: إني أنا هو. فأتوا بالذي كان قبلاً أعمى إلى الفريسيين. وكان اليوم الذي صنع فيه يسوع الطين وفتح عينيه يوم السبت. فسأله الفريسيون أيضاً كيف أبصر. فقال لهم: وضع على عينيّ طيناً واغتسلت فأبصرت. فقال قوم من الفريسيين: هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت. فقال آخرون: كيف يقدر انسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات ؟ فوقع بينهم شقاق. وقالوا أيضاً للأعمى: ماذا تقول أنت من حيث أنه فتح عينيك ؟ فقال: إنه نبي.
ومع سماعهم لهذه الشهادة الواضحة والصادرة من صميم قلب من اختبر المعجزة الشفائية إلا أن الفريسيين لم يقبلوها بل استدعوا والديه واستجوبوهما عن صحة ما حدث. ثم دعوا الإنسان من جديد وقالوا له: أعط مجداً لله، فإننا نعلم أن هذا الإنسان خاطئ. فأجاب ذاك: إن كان خاطئاً فلا أعلم، إنما أعلم شيئاً واحداً: أني كنت أعمى والآن أبصر. فقالوا له: ماذا صنع بك وكيف فتح عينيك ؟ أجابهم: لقد أخبرتكم ولم تسمعوا. فلماذا تريدون أن تسمعوا بعد ؟ ألعلكم تريدون أنتم أيضاً أن تصيروا له تلاميذ ؟ فشتموه وقالوا: أنت تلميذ ذاك. أما نحن فإننا تلاميذ موسى. ونحن نعلم أن الله كلّم موسى، أما هذا فلا نعلم من أين هو. أجاب الرجل وقال لهم: إن هذا عجباً ! إنكم لا تعلمون من أين هو وقد فتح عينيّ. ونحن نعلم أن الله لا يسمع للخطاة، أما إن كان أحد يتّقي الله ويعمل مشيئته فإنه يسمع له. ولم يسمع منذ الدهر أن أحداً فتح عيني من ولد أعمى. فلو لم يكن هذا من الله لما استطاع أن يفعل شيئاً. أجابوه وقالوا له: إنك بجملتك قد ولدت في الخطايا، أتعلّمنا أنت ؟ وطردوه خارجاً.
تظهر تفاصيل هذا الحوار مقدار الظلام الروحي الذي كان مخيّماً على الكثيرين من الناس لأنهم لم يسمحوا لنور كلمة الله بأن يشعّ في حياتهم. جرت المعجزة الشفائية في وضح النهار ومن كان قد ولد أعمى صار مبصراً وكان على وشك بأن يترك حياة التسوّل ليصبح عضواً عاملاً في مجتمعه. لكن الفريسيين ثابروا على نكران الحقيقة وحاولوا طمس معالمها. ما هو الدافع الحقيقي لهذا الموقف الشاذ واللامنطقي ؟ لندع السيد المسيح يشرح لنا هذا الموضوع الحسّاس في القسم الأخير من الفصل التاسع من الإنجيل. قال المسيح لمن كان قد شفاه:
أتؤمن بابن الله ؟ فأجاب ذاك وقال: ومن هو يا سيّد لأومن به ؟ فقال له يسوع: قد رأيته فهو الذي يكلّمك. فقال: إني أومن يا سيّد. وسجد له. فقال يسوع: إني أتيت إلى هذا العالم للدينونة لكي يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون.
ماذا عنى المسيح بهذه الكلمات ؟ كانت غاية المسيح من مجيئه إلى دنيانا هي غاية فدائية، خلاصية وتحريرية. وينتج عن رفض الناس للمسيح ولمهمته الخلاصية أن قلوبهم تتقسّى وتتحجر. فبالنسبة إلى هكذا أناس يضحي المجئ الأول للمسيح بمثابة دينونة رهيبة. على هذا الأساس نفهم كلمات المسيح هذه: إني أتيت إلى هذا العالم للدينونة لكي يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون. فمن كان أعمى روحياً (وهذه حالة جميع بني آدم) يصبح من المبصرين على شرط أن يؤمن بالمسيح يسوع وبمهمّته الخلاصية التي تمّت على الصليب. وأما الذي يقول عن نفسه بأنه غير خاطئ وأنه ليس بحاجة إلى منقذ ومخلّص ومحرّر، هكذا انسان يكون قد حرم نفسه من نور المسيح الفدائي وبقي أعمى روحياً ! سمع زعماء القدس كلمات المسيح هذه فقالوا له: ألعلّنا نحن أيضاً عميان ؟ فقال لهم يسوع: لو كنتم عمياناً لما كانت لكم خطية أي لو كانوا بدون وحي الله المنير والمدوّن في أسفار الكتاب المقدّس بعهده القديم (أي التوراة والأنبياء والمزامير)، لما كانت لهم خطية. لكنهم نظراً لكل ما كانوا قد حصلوا عليه من تراثهم الديني الغني والذي كان يشير بصورة واضحة إلى قدوم المسيح المخلّص أنكروه ولذلك أصبحت خطيتهم كبيرة جداً. وقال لهم المسيح: أما وأنتم تقولون الآن: إننا نبصر، فخطيتكم باقية.
أيها القارئ الكريم، ما هو موقفك من موضوعنا هذا ؟ هل تخال بأنك متمتع بنور روحي كاف وأن حياتك هي على أحسن ما يرام ؟ أم هل تشعر في قرارة نفسك بأنك كالأعمى الذي كان معاصراً للمسيح والذي احتاج إلى عمل المسيح الشفائي ليبصر ؟ ساعدك الله القدير لتؤمن بالمسيح كما كشف عن ذاته في الإنجيل المقدّس. فمن آمن بالمسيح المخلّص اختبر الحياة الأبدية وصار يعيش في نور المسيح. أما من رفض المسيح فإن دينونة الله واقعة عليه إن عاجلاً أو آجلاً، آمين.
والحصول على النقود الخاصة المستعملة ضمن هيكل القدس. أتينا على ذكر هذا الموضوع لنفهم موقف المسيح من باعة الحيوانات والصيارفة الذين كانوا قد تواطؤوا مع رؤساء الكهنة واحتلوا أماكن هامة في ساحة الهيكل الخارجية ليقوموا بأعمالهم التجارية.
ذكر الرسول يوحنا في الفصل الثاني من الإنجيل أن المسيح يسوع صنع "سوطاً من حبال، وأخرجهم جميعاً من الهيكل مع الغنم والبقر، ونثر دراهم الصيارفة وقلب موائدهم. وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذه من ههنا ولا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة. فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: غيرة بيتك تأكلني."
قام المسيح بطرد الباعة والصيارفة من الهيكل لأنهم جعلوا من بيت الله وهو بيت الصلاة والعبادة، بيت تجارة وربح. وكان هذا ينافي تعاليم الشريعة والمعاني الرمزية الكامنة في جميع الذبائح المقدمة في الهيكل والتي كانت تشدد على هذا المبدأ الأساسي للديانة المقبولة لدى الله: "بدون سفك دم ليست هناك مغفرة الخطايا."
ما إن رأى تلاميذ المسيح عمل سيدهم التطهيري في الهيكل حتى تذكروا كلمات المزمور التاسع والستين حيث وردت هذه النبوة عن قدوم المسيح المخلص وعن شعوره تجاه بيت الله أو هيكله المقدس: "غيرة بيتك تأكلني." كان هيكل الله في القدس يشير في جميع طقوسه ورموزه وذبائحه إلى مجئ مسيح الله. لكن زعماء الدين في القدس كانوا قد تجاهلوا تعاليم الكتاب ومعنى رموز العبادة في الهيكل وصار همهم الأول أن يجمعوا الأموال لمنفعتهم الذاتية. وأدى هذا إلى ابتعاد الناس عن عبادة الله والوقوع في صنيمات متعددة الأشكال. وكذلك آلت الانحرافات في خدمة العبادة في هيكل القدس إلى خمود جذوة الرجاء المتمركز على وعد الله بقدوم المسيح إلى العالم وتنفيذه لبرنامج الله الخلاصي.
لم يقبل المتسلطون في القدس الدرس الهام الذي لقنهم إياه المسيح بل انتقدوه وطلبوا منه أن يقوم بمعجزة تبهر الأنظار. فقالوا له بعد طرده للباعة من ساحة الهيكل: "أية آية ترينا حتى تفعل هذا ؟ أجاب يسوع وقال لهم: انقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام. فقال اليهود: في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه ؟ أما هو فكان يتكلم عن هيكل جسده. فلما قام من بين الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب وبالكلام الذي قاله يسوع."
كم من المؤسف أن زعماء الدين في القدس لم يتعلّموا الدرس الهام الذي لقّنهم إياه الرب يسوع المسيح أي أهمية قداسة بيت الله وتسهيل أمور العبادة للذين كانوا قد جاؤوا إلى القدس من قريب وبعيد. أظهر هؤلاء غلاظة قلوبهم عندما طلبوا من المسيح القيام بمعجزة وكأن قوته وعظمته لم تظهرا في عمله التطهيري. فما كان من المسيح إلا وأن قال لهم: "انقضوا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيام." لم يعن المسيح هيكل القدس بل هيكل جسده. أشار المخلص في بدء سيرته التبشيرية همهم الوحيد منحصراً في استثمار مناصبهم للتسلّط على شعب الله. وذكر المسيح يسوع ثلاثة أمور هامة كان يعطيها لمن يأتون إلى الله بواسطته: الخلاص والحرية والغذاء الروحي: إن دخل بي أحد يخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى.
وتكلّم المسيح عن غاية مجيئه إلى العالم .فبخلاف المسحاء الكذبة الذين كانوا يضلّون الناس، كان المسيح قد جاء من السماء للقيام بمهمة فريدة: وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة، ولتكون لهم بوفرة. فالناس بحاجة إلى أكثر بكثير من مرشد روحي، إنهم بحاجة إلى مخلص ومحرر ومنقذ. جاء المسيح من السماء ليكون ذلك المخلص والمحرر والمنقذ. وبما أن مثل الباب وحظيرة الخراف لم يكن كافياً للتعبير عن كل ما أراد المسيح أن يعلمنا إياه، فإنه استطرد قائلاً:
أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف.
ذكرنا سابقاً أننا بحاجة إلى الخلاص. كيف يتم هذا الأمر الهام ؟ علّمنا المسيح أن ذلك يتم بواسطة بذل نفسه عن الخراف. تشير هذه الكلمات بكل وضوح وجلاء إلى أن المسيح كان ملماً كل الإلمام بأن مهمّته الرئيسية التي جاء لتنفيذها كانت تقتضي بذل نفسه أي موته نيابياً وكفارياً عنا نحن الخطاة والأثمة. نجد في كلمات المسيح هذه دليلاً واضحاً وقوياً على كونه عالماً كل العلم بأن مهمته الخلاصية كانت ستقوده في النهاية إلى الموت عنّا على صليب خشبي له أعداؤه خارج أسوار المدينة المقدسة. فالصليب إذن هو لب الإنجيل ولم يكن بأمر حدث للمسيح في لحظة أخيرة ومفاجئة. وعندما نأخذ تعاليم كلمة الله بعين الاعتبار علينا أن نقر بأن ظل الصليب كان مخيماً على المسيح يسوع منذ ولادته من مريم العذراء في بيت لحم.
اشتدت مقاومة زعماء اليهود للسيد المسيح بعد كلامه عن موضوع الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الرعية. فأحاطوا به وهو يعلّم في رواق سليمان ضمن هيكل القدس وقالوا له: حتى متى نترك أنفسنا معلّقة ؟ إن كنت أنت المسيح، فقل لنا جهراً ! قد تظهر هذه الكلمات بريئة، إلا أنها كانت بالحقيقة صادرة عن قلوب متحجرة. كان المسيح قد ابتدأ بالمناداة برسالة الإنجيل الخلاصية بعد معموديته من يوحنا بن زكريا الملقب بالمعمدان. وقد قام بمعجزات عديدة كشفاء المرضى وإطعام الآلاف من الناس من بضعة أرغفة خبز وسمكتين وإقامة الموتى. أشارت تعاليمه وأعماله الباهرة إلى أنه كان موفداً من الله لتتميم رسالته الخلاصية والفدائية. ومع كل ذلك فإن معاصريه من اليهود رفضوا قبوله وقالوا: إن كنت أنت المسيح، فقل لنا جهراً. فما كان من السيد المسيح إلا وأن أجابهم قائلاً:
إني قلت لكم ولستم تؤمنون. والأعمال التي أعملها باسم أبي هي تشهد لي، لكنكم لستم تؤمنون لأنكم لستم من خرافي. إن خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها وهي تتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يختطفها أحد من يدي. وأبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يختطفها من يد الآب. أنا والآب واحد.
لم يكتف المسيح بالكلام عن رسالته بل قام بمعجزات باهرة لم يقم بها أحد منذ الخليقة. وقد صنع تلك الآيات لتكون بمثابة أوراق اعتماد سماوية تؤكد أن المسيح كان مرسلاً من الله وأن رسالته كانت رسالة خلاصية وانقاذية وفدائية. ولذلك قال له المجد: فإن كنتم لا تؤمنون بي فآمنوا بالأعمال لكي تعلموا وتعترفوا أن الآب فيّ وأنا في الآب.
حدث بعد هذه الأمور أن المسيح ذهب من القدس إلى عبر الأردن أي إلى شرقي نهر الأردن وأقام هناك. فأتى إليه كثيرون قائلين: إن يوحنا (أي يوحنا المعمدان بن زكريا الكاهن) لم يعمل آية قط، ولكن كل ما قاله يوحنا عن هذا الإنسان كان حقاً. فآمن به كثيرون. وكما حدث في تلك الأيام تمّ أيضاً على مرّ العصور وفي شتّى أصقاع الدنيا. فلقد نادى بالمسيح المخلّص خدّامه الأمناء فلاقوا الكثيرين من المعاندين والمضطهدين. ولكن وفد العديدون أيضاً إلى المخلّص المسيح وآمنوا به إيماناً قلبياً ملتصقين به كفادي نفوسهم. وهكذا انضموا إلى الرعيّة الواحدة وأمّنوا أنفسهم ومصيرهم الزمني والأبدي لراعيهم الواحد الصالح: يسوع المسيح.

المسيح والقيامة والحياة




المسيح والقيامة والحياة


قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي وإن مات فسيحيا. وكل من كان حيّا وآمن بي، فلن يموت إلى الأبد.
الإنجيل حسب يوحنا 11: 25 و 26
ما أكثر المشاكل التي تقضّ مضجع البشرية ! يمكننا أن نعدّد بعضها كمشاكل الحرب والسلام والجوع والمرض والبطالة والتهجير إلى ما هناك من معضلات لا تعدّ ولا تحصى.وفي نهاية المطاف نقول أن مشكلة المشكلات لا تتغيّر وهي معنا منذ فجر التاريخ، ما أعنيه هو ظاهرة الموت. ينقض الموت على الأغنياء والفقراء، على الأطفال والمسنين، على الرجال والنساء. وممّا يجعل الموت مشكلة هائلة الأبعاد كونه نهائياً. فإن مرض انسان فربّما يشفى ويعود إلى صحته وعافيته. وإن كان انسان بدون عمل فربّما يجد عملاً يعيش منه فيكتسب معنوياته المفقودة. لكن الموت فريد، إنه النهاية التي لا رجعة منها وهو يقضي على جميع الأحلام ويحطّم جميع الآمال. الموت هو الكلمة النهائية، السلبية المطلقة. الموت هو الظلام الدامس الذي لا نور صباح بعده !
وقد حاول الإنسان منذ القديم بأن يتغلب على نهائية الموت فبنى قبوراً كبيرة ونسج أساطير منمّقة عن الحياة بعد الموت. لكنه ليس هناك من يروي عطشنا بخصوص هذا الموضوع الكلّي الأهمية. ليس هناك من بشري يقدر أن يخفف من الآلام المبرحة التي تنقض علينا في وفاة أب أو أم أو أخ أو أخت أو ابن أو ابنة أو قريب أو صديق ! من يملأ الفراغ الهائل بعد موت من كان جزءاً لا يتجزأ من عائلتنا ؟ ليس هناك من يقدر أن يقوم بتلطيف الجو الذي تغيّر فجأة عندما اختطفت يد المنون أحد أحبائنا وليست هناك من فلسفة أو ايديولوجية تستطيع أن تخفف من اللوعة التي تحتلّ قلب الإنسان المفجوع بموت قريب أو صديق. تبوء جميع محاولات البشر بالفشل الذريع في موضوع تعزية الأحياء عندما يذهب أحباؤهم إلى ديار الأبدية. تبقى كلمات البشر فارغة وخاوية في هكذا حالات ويشتد الحنين إلى إحياء اللحظات والأيام والسنين التي كان فيها أحباؤنا على قيد الحياة. ولكن هذه المحاولات تبقى عبارة عن ومضات آنية تحضر بواسطتها إحدى المشاهد أو المواقف التي تشابكت فيها حياتنا بحياة من غاب عنّا نهائياً. لأن الموت فصله عنّا في لمحة بصر. باطل الأباطيل ! لا يقدر الإنسان أن يعزّي الإنسان لأنه مائت لا محالة، إن عاجلاً أو آجلاً.
ولكن شكراً لله لأنه لم يتركنا يتامى ولا كتب لنا أن نحيا في ظلام الموت والخوف والرعب. بمجيء المسيح يسوع إلى عالمنا، عالم العذابات والآلام والموت، جاءت بشرى الغلبة على الموت. وبزغ نور الرجاء الساطع الذي يبشّرنا بقيامة من الأموات وبحياة سعيدة في ملكوت الله المجيد. وقد سرد لنا الرسول يوحنا في الفصل الحادي عشر من الإنجيل حادثة إقامة لعازر من بين الأموات لإعطائنا درساً هاماً عن موضوع الحياة والموت والقيامة.
كان إنسان مريض وهو لعازر (ومعنى هذا الاسم المشتق من الاسم العبري اليعازر الله هو معيني) من بيت عنيا من قرية مريم ومرتا أختها. (وكانت بيت عنيا بالقرب من القدس) فأرسلت الأختان إليه تقولان: يا سيد هوذا الذي تحبّه مريض. وعوضاً عن أن يسرع المسيح بالذهاب من شرقي الأردن إلى ضواحي القدس، بقي في ذلك الإقليم وقال لتلاميذه مفسّراً: ليس هذا المرض للموت بل لمجد الله، ليتمجّد الله به.
لبث المسيح مدّة يومين في شرقي الأردن ثم قال لتلاميذه: لنذهب إلى اليهوديّة أيضاً. فتعجّب التلاميذ لأنهم كانوا يعلمون أن أعداء المسيح كانوا واقفين له بالمرصاد. ولكن السيد له المجد لم يتوان في مسيرته بل قال لهم: أليس في النهار اثنتا عشرة ساعة ؟ فإن مشى أحد في النهار لا يعثر لأنه يبصر نور هذا العالم. ولكن إن مشى في الليل يعثر لأن النور ليس فيه. وبعد أن ذكر المسيح أن لعازر كان قد نام ولم يفهم التلاميذ أنه كان يعني رقاد الموت، قال لهم بصراحة: لعازر قد مات، وأنا أفرح لأجلكم أني لم أكن هناك لكي تؤمنوا. ولكن لنذهب إليه. فلمّا أتى يسوع وجد أن لعازر كان في القبر أربعة أيام.
قد لا نفهم في بادئ الأمر لماذا توانى المسيح عن المجئ إلى بيت عنيا لشفاء لعازر من المرض الخطير الذي كان قد ألمّ به. ولكننا سنفهم في النهاية أن المسيح أراد أن يعلّمنا إن كنّا من معاصريه أو من الذين يعيشون في العصور المتتالية درساً هاماً عن الحياة والموت والقيامة من بين الأموات.
استقبلت مرتا السيد المسيح خارج البيت وقالت له والدموع تنهمر من عينيها: يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي. أظهرت مرتا إيمانها بالمسيح ولكنه كان إيماناً غير منار بالحقيقة الكاملة عن المسيح وعن قوّته الخلاصية. كانت مرتا تعتقد بأن المسيح يستطيع شفاء المرضى فيما إذا كان قريباً منهم. ولكنه لا يجوز لنا أن ننتقد أخت لعازر، لنصغي إلى كلماتها التي أظهرت نموّ إيمانها وسط الفاجعة الكبرى التي كانت قد انقضّت عليها وعلى أختها مريم. تابعت كلامها قائلة للسيد المسيح: ولكني أعلم الآن أيضاً أنك مهما تطلب من الله فإن الله يعطيك إياه. اتّسع أفق إيمان مرتا ورأت بأن المسيح كان أقوى بكثير من أن تنحصر فاعلية معجزاته بقربه من الناس. أجابها المخلص المسيح قائلاً: سيقوم أخوك. فظنت مرتا أن المسيح كان يتكلم عن القيامة في يوم الحساب فقالت معلّقة: أنا أعلم أنه سيقوم، في القيامة، في اليوم الأخير. فما كان من المسيح إلا وأن قال لها:
أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي وإن مات فسيحيا. وكل من كان حيّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا ؟ قالت له: نعم يا سيّد إني قد آمنت أنك المسيح ابن الله الآتي إلى العالم.
عرّف المسيح القيامة بطريقة فريدة. ليست القيامة مجرّد حادثة مستقبليّة ستجري في نهاية التاريخ. كانت القيامة الحقيقية التي تكلّم عنها المسيح تلك العلاقة الحيوية والحميمة التي تنشأ بين الإنسان والمسيح يسوع الذي جاء من السماء لإنقاذنا نحن البشر من الخطية ومن شوكة الخطية أي من الموت. وبعبارة أخرى، مع أن القيامة العامّة ستتم في اليوم الأخير أي في يوم الحساب، إلا أنه بامكاننا أن نتذوّق طعم القيامة منذ الآن وذلك عندما نؤمن بالمسيح كفادينا ومخلصنا من الخطية.
ولكن كيف كان يمكن للناس أن يصدّقوا كلمات المسيح التي تفوّه بها في حضور مرتا: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي وإن مات فسيحيا ؟ كيف تفهم هكذا معادلة بين حادثة مستقبلية والمسيح يسوع ؟ لم يكتف المسيح يسوع بقوله ما قاله عن كونه القيامة والحياة بل ذهب إلى قبر لعازر المنحوت في الصخر وقال لمن كانوا حوله: ارفعوا الحجر. أي الحجر الذي كان على باب القبر. ولما احتجت مرتا قائلة: يا سيّد لقد أنتن فإن له أربعة أيام، قال لها يسوع: ألم أقل أنك إن آمنت ترين مجد الله ؟ ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي وقد علمت أنك تسمع لي في كل حين ولكن قلت هذا لأجل هذا الجمع الواقف حولي ليؤمنوا أنك أرسلتني. ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لعازر هلمّ خارجاً ! فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأربطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع: حلّوه ودعوه يذهب.
تفوّه المسيح المخلّص بكلماته الهامة: أنا هو القيامة والحياة وبرهن على صحة كلامه بإقامة لعازر من بين الأموات. أهناك أي شك في مقدرة المسيح يسوع على إعطائنا الحياة الأبدية عندما نؤمن به قلبياً ونتخذه مخلّصاً من الخطية والشر ؟
أيها القارئ العزيز ! حياتنا المعاصرة مليئة بالفواجع. ربّما قد خسرت أعزّ شخص في حياتك منذ مدة وجيزة ولا زلت في حيرة بما يخبّئه لك الغد من مفاجآت ومخاطر ! لا تخف من المستقبل المجهول. ضع ثقتك القلبية في يسوع المسيح قاهر الموت وواهب الحياة الأبدية واشهد عن خلاصك بين أقرانك ومجّد الله القدير في حياتك.

مبارك الآتي باسم الرب


مبارك الآتي باسم الرب


وفي الغد، سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آت إلى أورشليم، فأخذوا سعف النخيل وخرجوا للقائه وهم يصرخون: أوصنّا، مبارك الآتي باسم الرب، ملك اسرائيل.
الإنجيل حسب يوحنا 12: 12 و 13
الإنسان مخلوق عجيب وغامض. فمع أنّه قام منذ فجر التاريخ بمآثر لا تعدّ ولا تحصى، إلا أنّه لم ينجح إلى يومنا هذا في العيش بسلام ووئام مع جاره الإنسان ومع كثرة الحاجة إلى الاهتمام بأمور المعيشة اليومية والتغلّب على الأمراض التي تفتك ببني البشر، إلا أننا نرى بكل أسف ميل الإنسان نحو تكديس آلات الدمار والهلاك.
وبما أن الإنسان هو الذي أوجد مشاكله العديدة فإنه من العبث أن نتأمّل منه بأن يجد حلولاً لها. الله وحده قادر بأن يرينا الطريق السليم الذي نجد عليه السلام. وإذ أصبح الشرّ جزءاً من طبيعتنا البشرية فنحن بحاجة إلى أكثر من معلّم أو مرشد، إننا بحاجة إلى مخلّص ومنقذ يحررنا من عبوديتنا للخطية أي ذلك الميل الدائم الذي يدفعنا للقيام بأمور معارضة للشرعية الإلهية.
وعندما ندرس الإنجيل نلاحظ توّاً أن المسيح يسوع جاء لإنقاذنا من شرورنا وآثامنا وليعطينا الإمكانية للعيش بسلام مع أقراننا بني البشر. وقد أعطى الله الآب السيد المسيح أوراق اعتماد خاصة لتظهر للملأ صحة تعاليمه وطبيعة رسالته السماوية. وما هي أوراق الاعتماد هذه ؟
كانت المعجزات والآيات والعجائب التي قام بها لصالح بني البشر والذين كانوا من معاصريه في فلسطين. أطعم الآلاف من بضعة أرغفة خبز وسمكتين وشفى المرضى وأقام الموتى.دلّت هذه الأمور أنّ المسيح كان موفد السماء للقيام بعمل خلاصي جبار لصالح البشرية جمعاء.
ولكن ماذا حدث عندما ابتدأ المسيح يسوع بالتجوال في الأرض المقدسة معلّما وشافيا ؟ ظهرت في وجهه معارضة شديدة قادها زعماء الدين في القدس. لم يقبلوا شهادة المسيح عن نفسه ولم يؤمنوا بمعنى وهدف المعجزات التي قام بها وعملوا جهدهم للتقليل من شأنها. وعندما لم ينجحوا في ابعاد الجماهير عنه تآمروا عليه للتخلّص منه نهائياً. وعندما أقام المسيح لعازر من بين الأموات كان لهذه الآية تأثير كبير على الناس الذين كانوا قد وفدوا القدس نظراً لاقتراب موسم الأعياد. فقرّر أعداء المسيح أن يقتلوه في أول فرصة تسنح لهم. وكتب عن هذا الموضوع الرسول يوحنا في الإنجيل ما يلي:
وعلم جمع كثير من اليهود أنّه – أي المسيح – هناك، فجاءوا لا من أجل يسوع فقط، بل لينظروا أيضاً لعازر الذي أقامه من بين الأموات. فأتمر رؤساء الكهنة أن يقتلوا لعازر أيضاً، لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع. يا لها من كلمات صعبة ! عوضاً عن أن يمجّد رؤساء الكهنة الله بمناسبة هذه المعجزة العظيمة التي جرت في ضواحي القدس، أخذوا يتآمرون على قتل كل من المسيح ولعازر ؟ أهناك شك في وجود خلل هائل في صميم حياة البشر ؟
حضر المسيح وتلاميذه وليمة عشاء في قرية بيت عنيا وهي قرية لعازر، فأكرمت مريم، أخت لعازر، المسيح بدهن قدميه بطيب من الناردين الخالص. فامتلأ البيت من رائحة الطيب. فقال أحد تلاميذه وهو يهوذا الإسخريوطي – الذي كان مزمعاً أن يسلّمه - : لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاث مئة دينار وتعطى للفقراء ؟ وإنما قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء بل لأنه كان سارقاً، إذ كان الصندوق عنده وكان يسرق ما يلقى فيه. فقال يسوع: دعها. فإنها قد حفظته ليوم دفني. فإن الفقراء معكم في كل حين وأمّا أنا فلست معكم في كل حين.
هل لاحظت أيها القارئ الكريم نبوّة المسيح عن موته الذي كان سيتم بعد نحو أسبوع واحد ؟ ذكر المسيح موضوع موته الذي كان سيضحي الطريقة الفعّالة لشفائنا من خطايانا وآثامنا ولإعطائنا القوّة اللازمة للعيش بسلام مع الله ومع البشر. وقد تقول لي: ألم يكن المسيح منحدراً من نسل داود الملك، فكيف تقول بأنه كان سيقتل ؟ ! نعم كان المسيح من نسل داود وكان ملكاً لكن ملكوته لم يكن من طراز ممالك هذه الدنيا. وقد أظهر ذلك بصورة جلية عندما دخل القدس في أيام عيد الفصح راكباً على جحش متمماً نبوة زكريا النبي وهو أحد أنبياء العهد أو النظام القديم (أي أيام ما قبل الميلاد).
وفي الغد، سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آت إلى أورشليم، فأخذوا سعف النخل وخرجوا للقائه وهم يصرخون: أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب، ملك اسرائيل. ووجد يسوع جحشاً فركب عليه كما هو مكتوب: لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي راكباً على جحش ابن أتان.
أوصنّا ! كلمة عبريّة أتت إلينا بقالب يوناني وتعني: خلّصنا ! هذا ما كانت ترنو إليه الجماهير الواردة إلى القدس لتعيّد عيد الفصح. خلّصنا، يا مسيح الله ! ربما لم يفقه الجميع بأن الخلاص الذي جاء المسيح لتتميمه كان خلاصنا من الخطية والشرّ الكامنين في قلب كل بشريّ. لكن المسيح لم يعلن نفسه ملكاً من طراز ملوك البشر والذين كانوا يمتطون آنئذ حصاناً للذهاب على الحرب. ركب المسيح على جحش فرمز بذلك إلى وداعته وإلى كون ملكوته ملكوتاً سماويّاً. لم يأت المسيح من تلقاء نفسه بل جاء من الله وباسم الرب أي باسم الله الآب، لتتميم مهمته الفريدة على الأرض.
ولم يفهم تلاميذه هذه الأمور أولاً ولكن لما تمجّد يسوع – أي بعد أن مات وقام من بين الأموات وصعد إلى السماء – عندئذ تذكروا أن هذا قد كتب عنه – أي في الفصل التاسع من نبوّة زكريا النبي – وأنهم صنعوا هذه له. والجمع الذي كان معه حين دعا لعازر من القبر وأقامه من بين الأموات كان يشهد له. من أجل هذا أيضاً استقبله الجمع لأنهم سمعوا أنه قد صنع هذه الآية. فقال الفريسيون فيما بينهم: أنتم ترون أنكم لا تفيدون شيئا، فهوذا العالم قد ذهب في أثره.
رحّب الناس بالمسيح وطلبوا منه أن يمنحهم الخلاص ومجّدوا اسم الله الذي أرسله للقيام بمهمته الفدائية الفريدة. لكن الذين كانوا قادة الشعب لم يرحّبوا به بل صمموا على قتله. وليس هذا بموقف منعزل عن موقف العديدين عبر العصور المتعاقبة والذين لم يرحّبوا بالمسيح وبرسالته الخلاصية. فما أكثر الذين وقعوا في نفس الخطأ الفادح الذي سقط فيه معاصرو المسيح ! نشدوا ملكاً أرضياً يضاهي إمبراطورية الرومان المستعمرين. ومع أن المسيح كان عالماً كل العلم ببطش الرومان وبقساوتهم في مستعمراتهم العديدة المنتشرة في حوض المتوسط وفي أوربا الغربية حتى أواسط بريطانيا، إلا أنه شدّد على هذا الأمر: جاء من السماء لتدشين ملكوت الله وذلك بمجابهته للشر والخطية الكامنين في حياة كل بشري، أكان يهودياً أو رومانياً أو يونانياً. الجميع أخطأوا والجميع بحاجة إلى انقاذ إلهي المصدر.
كان المسيح مصمّماً على أن لا يثنيه عن عزمه أي بشري. كان يعمل على تخليص البشرية من عذاباتها وآلامها وشقائها وذلك بالقضاء على الخطية. نشد زعماء اسرائيل في تلك الأيام بطلاً حربياً كبعض أبطالهم الذين حاربوا الاستعمار السلوقي في القرن الثاني قبل الميلاد. فلم يفتحوا قلوبهم لقبول تعاليم الكتاب المقدّس التي كانت تشير إلى شخصية المسيح المنتظر وأهمية العمل الفدائي الذي كان سيقوم به في الأرض المقدّسة وفي الوقت المعيّن من الله.
وكم علينا أن نحمد الله لأن البعض من عامة الشعب كصيادي السمك وجباة الضرائب المحتقرين، رحّبوا برسالة المسيح الخلاصية. وبعد موت المسيح على الصليب وقيامته في اليوم الثالث من بين الأموات، صاروا رسل المسيح ونادوا بانجيله الخلاصي في سائر أنحاء العالم المتوسّطي. ونحن ننضم إليهم ونؤمن بالمسيح المخلّص كما كشف عن ذاته
في الإنجيل المقدس ونقول فرحين ومتهللين: أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب. ولا نحيي ذكرى هذه الحادثة التاريخية فقط بل ننظر إلى المستقبل برجاء حيّ وننتظر عودة المسيح إلى عالمنا كالملك الجبّار الذي سيدين الأحياء والأموات والذي سيعطينا السلام في ملكوت الله
المجيد.
أيها القارئ العزيز ! هل أنت مستعدّ للقاء المسيح ؟

من هو ابن الإنسان؟




من هو ابن الإنسان؟


لقد سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد. فكيف تقول أنت أنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان ؟ من هو ابن الإنسان هذا ؟
الإنجيل حسب يوحنا 12: 34
من الجدير بالذكر أن الكثيرين من الناس يحصرون اهتمامهم بالظروف الخارجية التي تحيط بالإنسان وهم يعالجون مشاكله المتكاثرة. فهم تارة يلومون وضعه الاقتصادي وتارة أخرى نوعيّة النظام الذي يحيا ضمنه. وقلّما تسمع كلاماً متّزناً يبدأ بمعالجة المشكلة الإنسانية في قلب الإنسان ذاته. لا بد للإنسان في نهاية المطاف من أن يضطلع بمسؤوليته ويقرّ بأن الخلل الذي طرأ على الحياة البشرية لا يمكن ارجاعه إلى مجرّد عوامل خارجية. ومهما حاول الإنسان أن يتنصّل من مسؤولياته فإنه يبقى مرغماً على مجابهة الواقع ولو كان الواقع أليماً.
ونتعلّم درساً هاماً عن موضوعنا هذا في القسم الثاني من الفصل الثاني عشر من الإنجيل حسب يوحنا. كان عيد الفصح قد اقترب وكان المعيّدون قد جاؤوا من سائر أنحاء فلسطين ومن البلاد المجاورة لزيارة القدس. ومما ورد في الإنجيل: وكان قوم من اليونانيين (أي من الدخلاء الذين كانوا قد اعتنقوا اليهودية) من الذين صعدوا ليسجدوا في العيد. فتقدّم هؤلاء إلى فيلبس وسألوه قائلين: يا سيّد نريد أن نرى يسوع.
يا لها من كلمات هامة ! فبينما كان زعماء الدين في القدس يتآمرون على قتل المسيح يسوع، كان بعض الدخلاء يطلبون مشاهدة يسوع. وما أن سمع المسيح طلبهم هذا حتى قال: لقد أتت الساعة التي يتمجّد فيها ابن الإنسان. الحق، الحق أقول لكم: إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت فإنها تأتي بثمر كثير. من يحب نفسه يفقدها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها للحياة الأبدية. إن كان أحد يخدمني فليتبعني، وحيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمي، إن كان أحد يخدمني يكرمه الآب.
ما معنى هذه الكلمات التي تفوّه بها المسيح ؟ أشار له المجد إلى رسالته السماويّة والخلاصية التي رفضها الزعماء الدينيّون في القدس بينما قبلها بكل فرح ولهفة الغرباء والدخلاء ! ثم أشار المسيح إلى أن مهمته الخلاصية والفدائية لم تكن لتتحقق بدون موته على الصليب. ونظر المسيح إلى موته الكفاري كالعمل الرئيسي الذي أسنده إليه الله الآب. وإن كان البعض من سامعيه قد عارضوا هكذا تعليم فإنهم لم يكونوا قد فهموا المنهج الإلهي للحياة. فمن يحب نفسهن أي ذلك الإنسان الذي تدور حياته على محور الذات يكون في النهاية من الخاسرين. وأما الذي يبغض نفسه أي ذلك الإنسان الذي يضحي بنفسه في سبيل الله والآخرين فإنه يحفظ حياته للحياة الأبدية.
ظهرت هذه التعاليم غريبة للغاية ولذلك رفع المسيح هذا الدعاء قائلاً:
الآن نفسي قد اضطربت وماذا أقول ؟ أيها الآب نجّني من هذه الساعة ؟ ولكنّي لأجل هذا جئت إلى هذه الساعة. أيها الآب مجّد اسمك. فجاء صوت من السماء: قد مجّدته وسأمجّده أيضاً. فسمع هذا الجمع الواقف هناك فقالوا: قد حدث رعد. وآخرون قالوا: قد كلّمه ملاك. فأجاب يسوع وقال: ليس من أجلي جاء هذا الصوت بل من أجلكم.
كان ظل الصليب مخيّماً على جميع ساعات وأيام هذا الأسبوع الحاسم في سيرة المسيح. وكان له المجد ملمّاً بمعارضة اليهود للفداء الجبّار الذي كان سيتمّمه بموته الكفاري على الصليب وبقيامته من بين الأموات. أكّد المسيح في صلاته هذه أنه جاء من السماء إلى هذه الساعة أي لتتميم برنامج الله الفدائي عندما كان سيسمّر على خشبة الصليب خارج أسوار المدينة المقدسة. ولم يكن موت المسيح يظهر أي ضعف لدى الله. على العكس، كشف الله عن محبّته اللانهائية لنا نحن البشر عندما بذل ابنه الوحيد على الصليب لكي لا يهلك كل من يؤمن بل تكون له الحياة الأبدية.
تابع المسيح كلامه قائلاً: الآن دينونة هذا العالم، الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجاً. فمجئ المسيح إلى عالمنا كشف نوايا الشيطان عدو الله وعدو الإنسان. ولم يكن بنو اسرائيل يتمتعون في تلك الأيام بقيادة روحية سليمة. فرؤساء الكهنة والكتبة أي خبراء الشريعة الموسوية لم يعلّموا الشعب كلمة الله بصورة تقية. فبينما كانت شهادة الوحي الإلهي تتمركز في مسيح الله وفي عمله الخلاصي الذي كان سيتممه على الصليب، فإن قادة بني اسرائيل أنكروا ذلك وعمدوا إلى وضع أساس خاطئ للديانة المقبولة لدى الله أي بالاتكال على أعمالهم وجهودهم الخاصة.
وإذ كان المسيح شاعراً بأن ساعة آلامه قد اقتربت وأنه كان سيموت عنا على الصليب قال: وأنا متى ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع. وعلّق يوحنا الرسول على هذه الكلمات قائلاً: قال يسوع هذا ليشير إلى أيّة ميتة كان مزعماً أن يموتها.
وما أن سمع الحاضرون المسيح يتكلّم عن ارتفاعه عن الأرض حتى أخذوا يقولون له: لقد سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت أنّه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان ؟ من هو ابن الإنسان هذا ؟ ذكر هؤلاء أنهم سمعوا من الناموس؛ وهذه الكلمة أي ناموس تعادل كلمة توراة العبرية. كانت تشير أحياناً إلى الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدّس وأحياناً أخرى أشارت كلمة ناموس إلى جميع أجزاء الكتاب المقدّس أي إلى التوراة والأنبياء والمزامير. وبعبارة أخرى كان السامعون قد فهموا من التعاليم التي كانوا قد تلقنوها أن المسيح متى جاء كان سيبقى إلى الأبد. احتاروا من كلمات المسيح لأنه ذكر أنه كان سيرتفع عن الأرض. عارضت كلمات المسيح هذا التقليد الموروث عن الآباء والأجداد. فما هو الحلّ ؟ وازدادت حيرتهم عندما دعا المسيح نفسه بلقب ابن الإنسان. فقالوا له: من هو ابن الإنسان هذا ؟
من هو ابن الإنسان هذا ؟ سؤال هام للغاية وليس فقط لمعاصري المسيح بل لنا نحن أيضاً. لماذا اختار المسيح هذا اللقب للإشارة إلى نفسه ؟ كان أول بشري خلقه الله آدم وقد خلقه الله من تراب وعلى صورته وشبهه. امتاز الإنسان منذ البدء بسموّه على سائر المخلوقات التي صنعها الله. لكن الإنسان الأول فشل في الامتحان وسقط في الخطية والمعصية وجلب على نفسه وعلى نسله الشرّ والعبودية للشيطان. من ينقذ الإنسان من الدمار الروحي الذي ألمّ به ؟ وعد الله أبوينا آدم وحوّاء بأن يرسل واحداً من نسل المرأة ليسحق رأس الشيطان. وقد كرّر الله هذا الوعد بصورة أكثر جلاء في أيام ابراهيم واسحاق ويعقوب ومن بعدهم في أيام الأنبياء.
وفي الوقت المعيّن من قبل الله والمدعو بلغة الكتاب بملء الزمن جاء المسيح من السماء وأخذ طبيعة بشرية حقيقية بولادته من العذراء مريم. وعلى هذا الأساس دعا المسيح نفسه بابن الإنسان. المسيح هو ابن الله الأزلي، إنه كلمة الله الأزلي كما تعلّمنا في فاتحة الإنجيل حسب يوحنا. لكنه وفد عالمنا وحلّ بيننا لينقذنا من خطايانا باتخاذه ناسوتنا ضمن شخصه أو أقنومه الواحد. المسيح يسوع هو ابن الإنسان الفريد الذي لم يعرف الشرّ ولم يرتكب الخطية والمعصية جسم البشرية جمعاء هكذا كان الخلاص من الخطية بواسطة المسيح يسوع ابن الله وابن الإنسان.
تساءل معاصرو المسيح عن شخصية ابن الإنسان وكان من واجبهم الإصغاء إلى جواب المسيح الذي دعا ولا يزال يدعو جميع السامعين لقبول هذا التعليم الهام عن طبيعة العمل الخلاصي الذي كان سيتم على الصليب. قال المسيح:
إن النور معكم زماناً يسيراً بعد، فسيروا ما دام النور معكم لئلا يدرككم الظلام. ومن يسير في الظلام لا يعلم أين يذهب. فما دام النور معكم فآمنوا بالنور لتكونوا أبناء النور.
وخلاصة القول أن المسيح لم يأت ليتجادل معنا بل وفد من السماء ليخلّصنا وينقذنا من خطايانا وليدحر الشيطان عدوّنا اللدود. إن سرنا في طريق المسيح المستقيم نسير في نوره العظيم، وإن لم نؤمن به ولم نتخذه مخلّصاً لنفوسنا نبقى سائرين في الظلام الذي يتوه فيه بنو البشر. وإن تابعنا مسيرتنا في الظلام أي خارج الطريق الذي رسمه لنا المسيح، يكون مصيرنا الأبدي قاتماً للغاية. ساعدنا الله القدير بروحه القدّوس لنقف موقف المؤمنين من ابن الإنسان: يسوع المسيح الذي أحبّنا محبة قصوى وبذل دمه الزكي على الصليب لنحصل على الغفران والحياة الأبدية السعيدة.

خلاص العالم


خلاص العالم

وإن كان أحد يسمع كلماتي ولا يحفظها فأنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم. من رذلني ولم يقبل كلماتي فإن له من يدينه: الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الأخير.
الإنجيل حسب يوحنا 12: 47 و 48
أدرت مؤشر المذياع إلى إحدى المحطات الإذاعية فسمعت برنامجاً شائقاً كان عبارة عن مقابلة أجراها صحفي في الإذاعة مع طلاب وطالبات إحدى الجامعات الكبيرة في مدينة يبلغ عدد سكانها بالملايين. وكان الموضوع الذي تطرّق إليه الصحفي هو تحدّيات العصر والطرق السليمة لمجابهتها وإيجاد الحلول لمشاكل الحياة المستعصية. أنصت بكل انتباه إلى الحوار ولاحظت أن الذين شاركوا في الحوار تطرّقوا للكلام عن مواضيع اقتصادية وسياسية وتاريخية. ومما لفت انتباهي هو أن أحد الطلاب كان يردد: ليس باستطاعة الإنسان أن يغيّر نفسه أو اتجاه حياته بعد عامه العشرين. وكان هدف هذا الطالب أن يظهر كون مشكلة الإنسان الأساسية كامنة في صميم حياته وأنه من واجب الإنسان أن يغيّر أسلوب أو اتجاه حياته وأن يعيش حياة الأنانية. ولكن هيهات للإنسان أن يصل إلى هذا الهدف النبيل !
لم يقبل الجميع هكذا نظرة تشاؤمية للحياة بل انبرت إحدى الطالبات للرد على الطالب المتشائم قائلة: طبعاً يحتاج الإنسان إلى أكثر من حوافز اقتصادية أو ماليّة للقيام بواجباته كما يجب. وهكذا يجدر به أن يتحلّى بمثل عليا وأن يستنير ضميره من هكذا مثل ليجلبه تحدّيات العصر بصورة فعّالة.
تأملت بعد الانتهاء من سماعي لهذه المقابلة الإذاعية في الموضوعين الأساسيين اللذين ذكرا:
1: مقدرة أو عدم مقدرة الإنسان على تغيير نفسه بعد عامه العشرين.
2: ضرورة التحلّي بمثل عليا وإنارة هذه المثل للضمير الإنساني لتضحي مجابهيه لتحدّيات العصر مجابهة سليمة وبنّاءة.
ومع تقديري لروح الجدّيّة والصراحة التي ظهرت في تلك المقابلة إلا أنه المني أن الحوار جرى في جوّ لم يذكر فيه اسم الله ولا وحيه ولا منهجه الخلاصي لعالمنا هذا. ولست أريد الظهور بمظهر المنتقد للجيل الطالع عندما أبدي رأيي الصريح بأن نسيان أو تناسي الله لا يساعدنا على حلّ مشاكلنا.
لقد شاطرتكم هذا الاختبار كمقدمة لبحثي في موضوع هام مبني على تعاليم القسم الأخير من الفصل الثاني عشر من الإنجيل حسب يوحنا. كتب الرسول هذه الكلمات الحزينة عن موقف العديدين من معاصري المسيح من رسالته الخلاصية:
ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات كثيرة فإنهم لم يؤمنوا به. ليتم قول اشعياء النبي: يا رب ؟ من صدّق خبرنا، ولمن أعلنت ذراع الرب ؟ واستطرد يوحنا متابعاً اقتباسه من نبوة اشعياء النبي الذي عاش قبل المسيح بعدة قرون: من أجل هذا لم يقدروا أن يؤمنوا لأن اشعياء قال أيضاً: قد أعمى عيونهم وقسّى قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم. قال اشعياء هذا لأنه رأى مجده وتكلّم عنه.
كان المسيح قد ابتدأ بالمناداة بالإنجيل في عامه الثلاثين وجال في سائر أنحاء البلاد المقدسة معلّماً الناس وصانعاً المعجزات والآيات والعجائب التي شهدت للملأ بأنه كان مرسلاً من الله للقيام بمهمته الخلاصية لصالح بني البشر. ظهر المسيح بمظهر انسان متواضع ومحب لسائر الناس ولكنه كان في نفس الوقت كلمة الله الأزلي الذي تجسد للقيام بمهمته الفريدة. ولم تكن غاية أعماله الباهرة التي قام بها هي لإرغام الناس على الإيمان به بل كانت بمثابة أوراق اعتماد سماوية المصدر. وعلى هذا الأساس يمكننا أن نفهم كلمات الرسول يوحنا: ومع أنه كان قد صنع آيات كثيرة فإنهم لم يؤمنوا به.
سمع معاصرو المسيح مرسل الله يعلّم كما لم يعلّم أي بشري آخر وشاهدوا معجزات شفاء المرضى وطرد الشياطين وإقامة الموتى. أبصروا كل هذه الأمور الباهرة ولكنهم لم يؤمنوا ! كيف نفسّر هذا الأمر المحزن ؟ أي منطق كانوا يدينون به عندما أنكروا مصدر رسالة المسيح الخلاصية ؟ لم يقبلوا المسيح لأنهم رفضوا تشخيصه الواقعي لحالتهم الروحية أي كونهم أسرى للخطيّة وعبيداً للشيطان. انتظروا مسيحاً من طراز آخر، مسيحاً عسكرياً يطرد جحافل الرومان ويعيد إليهم مجد مملكة داود وسليمان. إنهم أحبّوا مجد الناس أكثر من مجد الله.
وبما أن المسيح كان قد وفد عالمنا لتنفيذ مهمته الخلاصية فإنه أنهى تعاليمه للجماهير بهذه الكلمات الصريحة: من آمن بي فليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني. ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني. كان معاصرو المسيح يفتخرون بأنهم قد استؤمنوا على الوحي الإلهي وكانوا يفتخرون بأنهم يتعبدون للإله الواحد الحقيقي الذي كان قد دعا ابراهيم واسحاق ويعقوب وكونهم شعباً خاصاً لم ينكر المسيح هذه الأمور التاريخية ولا الهبات الفريدة التي استلمها بنو اسرائيل ولكنه لفت أنظارهم إلى أن المؤمن بالله يؤمن بالمسيح أيضاً. وبعبارة أخرى، من رفض الإيمان بالمسيح المخلّص يكون قد رفض الإيمان بالله مرسله. وإن كانت أرواحهم تتضوّر جوعاً أو تتوق متلهفة للتقرب من الحضرة الإلهية، أفهمهم المسيح هذه الحقيقة الجوهرية: ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني. دلّت هذه الكلمات على أن المسيح يسوع كان ذروة الوحي الإلهي وإن رفض الإنسان قبول هذا الوحي يكون قد رفض الله وقطع علاقته مع باريه.
وتابع السيد المسيح كلامه مكرّراً ما كان قد ذكره في مناسبات سابقة: إني جئت نوراً إلى العالم حتى لا يمكث في الظلمة كل من يؤمن بي. دلّت هذه الكلمات الربّانية بأن تقييم المسيح لحالة الإنسان الروحية كان تقييماً منطبقاً على الواقع البشري الأليم كما يراه الله. فمنذ أن ثار الإنسان الأول على الله جلب على نفسه وعلى ذرّيته حالة روحية وأخلاقية محزنة وصفها المسيح بحالة الظلمة أو الظلام. ومجئ المسيح إلى العالم كان بمثابة بزوغ نور الشمس الوضّاح الذي يطرد أشباح الظلام الروحي المسيطر على كل بشري. ومن قال في قرارة قلبه بأنه لا يعيش في الظلام وأنه ليس بحاجة إلى مخلّص أو منقذ أو محرّر، هكذا انسان يبقى ماكثاً في الظلمة. وإن لم يتب إلى الله يبقى في الظلمة إلى الأبد.
عاد المسيح إلى الكلام عن لبّ رسالته الإنقاذية قائلاً: وإن كان أحد يسمع كلماتي ولا يحفظها فأنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلّص العالم. من رذلني ولم يقبل كلماتي فإن له من يدينه: الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الأخير. لأني لم أتكلّم من نفسي ولكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصيّة ماذا أقول وبماذا أتكلّم. وأنا أعلم أن وصيّته هي حياة أبديّة. فما أتكلّم به إذن فإنما أتكلّم به هكذا كما قاله لي الآب.
كانت هذه هي الكلمات الأخيرة التي تفوّه بها المسيح قبل إلقاء القبض عليه والمجئ به أمام رئيس الكهنة والوالي الروماني وصلبه وموته وقيامته من بين الأموات. ولذلك يجدر بنا أن نعيرها الأهمية القصوى. فنحن لا نقف تجاهها موقفاً حيادياً. فإما نقبلها ككلمات من جاء من السماء لينقذنا من الخطية أو نرفضها وإذ ذاك نجعلها الأساس الذي سندان عليه في يوم الحساب. وليست كلمات المسيح هذه كلمات تهديد أو إكراه. إنها صدرت من الذي أحبنا وبذل نفسه عنا إلى درجة أنه لم يحجم عن الموت عنّا موت الصليب. من قبل المسيح ورسالته الخلاصية نال الحياة الأبدية.
يعلمنا الإنجيل أن لبّ مشاكلنا هو في قلب الإنسان المظلم والذي هو بحاجة للخلاص. ومهما كنّا صريحين في حوارنا مع الآخرين ومهما تكلّمنا عن مثل عليا، فإننا لا نحل مشاكلنا إن تمادينا في رفض الحل الإلهي الذي تمّ منذ نحو ألفي سنة عندما وفد المسيح عالمنا وأنجز عمله الخلاصي بموته على الصليب وبقيامته من بين الأموات. وأدعو الله القدير بأن يمنح كل قارئ وقارئة المقدرة على قبول انجيل الخلاص والتمتّع بالحياة الأبدية التي لن ينتزعها منا أي بشريّ أو مخلوق آخر !

العمل بكلمة الله




الإنجيل حسب يوحنا 13: 14 و 15
ما هي الصفات التي يفتخر بها الناس ؟ يعجب الكثيرون بمن يبدي معرفته وعلمه بآخر ما توصّل إليه الإنسان من معارف علمية. وآخرون يفضّلون القوي الذي يتحكم بالآخرين. وآخرون يتعلّقون بمن أوتي الفصاحة والبلاغة في الكلام. هذه هي بعض مقاييس البشر ولكنها ليست بمقاييس الله.
فعندما نصل إلى الأسبوع الأخير من حياة السيد المسيح على الأرض نتلقّن درساً هاماً عن أهميّة التواضع وخدمة الآخرين. نقرأ ما يلي في الفصل الثالث عشر من الإنجيل حسب يوحنا:
وقبل عيد الفصح إذ كان يسوع يعلم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، وإذ كان قد أحبّ الذين في العالم، أحبّهم إلى الغاية. ففي أثناء العشاء وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الإسخريوطيّ أن يسلّمه، وإذ كان يسوع يعلم أنّ الآب قد دفع كل شيء إلى يديه وأنه من الله خرج وإلى الله يمضي، قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة وائتزر بها ثم صبّ ماء في مغسل وأخذ يغسل أقدام التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان مؤتزراً بها.
أراد السيد المسيح أن يلقنهم درساً لا ينسونه عندما غسل أقدام تلاميذه الذين كانوا بحاجة إلى تعلّم درس حيويّ ألا وهو وجوب العمل بكلمة الله وعدم الاكتفاء بالمناداة بها. تتطلّب كلمة الله من المنادين بالإنجيل أن يتّسعوا بالتواضع وأن يتفانوا في خدمة الآخرين ولا سيما الذين هم من أهل الإيمان. فمع أن تلاميذ المسيح عاشوا معه لمدة ثلاث سنين إلا أنهم أظهروا جهلاً هائلاً لمعنى الإيمان القويم عندما تشاجروا مع بعضهم البعض وهم يبحثون في موضوع: من هو الأكبر والأعظم بين التلاميذ.
غسل المسيح يسوع أقدام بعض التلاميذ ثم جاء إلى بطرس الذي كان قد بهت مما جرى حوله فما كان منه إلا وأن قال للمسيح:
أأنت يا سيّد تغسل قدميّ ؟ أجاب يسوع وقال له: أنك لا تعرف الآن ما أصنعه أنا، ولكنك ستفهمه فيما بعد. فقال له بطرس: لن تغسل قدميّ أبداً. أجابه يسوع: إن لم أغسل فليس لك نصيب معي. فقال له سمعان بطرس: يا سيّد ليس قدميّ فقط، بل يديّ ورأسي أيضاً. فقال له يسوع: إن من اغتسل ليس في حاجة إلا إلى غسل قدميه إذ أنه نقي كلّه. وأنتم أنقياء ولكن ليس جميعكم. فإنه كان يعرف من يسلّمه ولذلك قال: لستم جميعكم أنقياء.
نتعلم من كلمات المسيح هذه أن غسله لأقدام التلاميذ كان عملاً رمزياً. كان التلاميذ قد آمنوا به ولم يرتدّوا عنه كما ارتدّ العديدون من معاصريه. فأظهروا بذلك محبّتهم للمسيح وتعلّقهم به. ولكنهم لم يظهروا نضوجاً روحياً عندما تخاصموا بخصوص من سيكون الأكبر والأعظم في ملكوت المسيح. نسوا أن سيّدهم كان قد أظهر التواضع المطلق عندما وفد من السماء وتجسّد بولادته من العذراء مريم وعاش عيشة الفقراء وسمح للزعماء الدينيين في القدس بأن يضطهدوه ويعاملوه كالمنقلب على الشريعة الموسوية. وما أن غسل المسيح أقدامهم حتى اختبروا غسله لقلوبهم التي كادت بأن تنسى معنى الإنجيل.
وبعد أن غسل (أي السيد المسيح) أقدامهم وأخذ ثيابه وعاد واتكأ إلى المائدة قال لهم: أتفهمون ما صنعت بكم ؟ أنتم تدعونني معلّماً وسيّداً، وحسناً تقولون، لأني كذلك. فإن كنت وأنا السيّد والمعلّم قد غسلت أقدامكم فيجب عليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أقدام بعض. فإني قد أعطيتكم مثالاً لتصنعوا أنتم أيضاً كما صنعت أنا بكم. الحق، الحق أقول لكم: ليس عيد أعظم من سيّده ولا رسول أعظم من مرسله، إن علمتم هذا فطوبى لكم إن عملتموه.
عندما تواضع المسيح وغسل أقدام تلاميذه التي لم يكن قد تطوّع ولا صغيرهم على غسلها كما كانت تقتضي تقاليد تلك الأيام، وقام بعمل الخادم تجاه تلاميذه، لم يتخلّ عن منصبه كمعلّم ولم يتنازل عن سيادته المطلقة التي كانت له ككلمة الله المتجسّد. كان المسيح ملمّاً تماماً بشخصه وبطبيعة مهمّته الفدائية. فأضحى عمله هذا بمثابة درس لجميع الذين يدعون أنفسهم بأتباعه. لا يكفينا إذن أن نسمع تعاليمه ونسرّ بها بل علينا أن نعمل بها.
ولقد حذرنا السيد المسيح من مغبة تلك المعرفة السطحية واللاحياتية لكلمة الله عندما تكلّم عن يهوذا الخائن. كان هذا التلميذ قد سمع المسيح ينادي بالإنجيل ورآه يشفي المرضى ويقيم الموتى ويطعم الجماهير من خمسة أرغفة خبز وسمكتين. وكان يهوذا قد اؤتمن على منصب أمين الصندوق لسلك التلاميذ. لكنّه لم يكن مؤمناً بل صار من أكبر خونة التاريخ. وهكذا يجدر بنا أن نتمعّن في كلمات المسيح التحذيرية:
فإني أعلم من اخترت ولكن ليتمّ الكتاب: إن الذي يأكل خبزي قد رفع عليّ عقبه. أقول لكم هذا الآن قبل أن يكون، حتى متى كان (أي متى ظهرت خيانة يهوذا للمسيح بتسليمه لأعدائه في القدس) تؤمنون أني أنا هو.
وقد حدث في أكثر من مناسبة عبر عصور التاريخ أن البعض من الناس والذين كانوا يدّعون بأنهم من المؤمنين بالمسيح المخلّص خانوه وارتدّوا عن الإيمان وصاروا من أعدائه الألداء. وهكذا تطلب منا كلمات المسيح التحذيرية من المؤمنين به إيماناً صادقاً وقلبياً وعاملين بكلمته الخلاصية.
وبعد أن تكلّم المسيح عن خيانة يهوذا قال: الحق، الحق أقول لكم: إن الذي يقبل من أرسله يقبلني والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني. كان المسيح على وشك بأن يتمّم عمله الخلاصي والفدائي وذلك بآلامه البدليّة وموته الكفاري على الصليب وقيامته المجيدة من بين الأموات. وكان سيعود إلى السماء ليجلس عن يمين الله الآب. وإذ ذاك كانت ستبدأ مرحلة جديدة في مرسليّة المسيح: كان له المجد سيوفد تلاميذه للمناداة برسالة الخلاص والغفران والحرية في سائر أنحاء المعمورة ابتداء من القدس. ومن رفض مناداة رسل المسيح يكون قد رفض المسيح ومن رفض المسيح المخلّص يكون قد حرم نفسه من نعيم الله.
أيها القارئ العزيز ! لقد وقفنا على نص كتابي عام يتعلّق بغسل المسيح لأقدام تلاميذه. لا بد أننا قد تأثرنا من التواضع الذي أظهره المسيح تجاه تلاميذه في تلك الليلة الحاسمة من سيرته على الأرض. أرجو ألا تكون قد نسيت الدرس الهام الذي تركه لنا سيدنا ومخلّصنا يسوع المسيح:
إن علمتم هذا فطوبى لكم إن عملتموه.

طريق الله وطريق البشر





طريق الله وطريق البشر



وغمس اللقمة وناولها ليهوذا سمعان الإسخريوطي. وبعد اللقمة دخل فيه الشيطان. فلما خرج قال يسوع: الآن تمجّد ابن الإنسان، وتمجّد الله فيه. الإنجيل حسب يوحنا 13: 26 و 27 و 31 ينظر البعض من معاصرينا إلى الحياة من منظور الاقتصاد ويعتقدون بأن الحل الوحيد لمشكلاتنا الحياتية يكمن في تطبيق نظريات معيّنة ابتكرها علماء الاقتصاد. ويذهب آخرون إلى القول بأن الإنسان يحتاج إلى الحرية المطلقة التي تساعده على تسخير جميع طاقاته في سبيل بناء مجتمع أفضل. ومع تعدّد هكذا نظريات حياتية، إلا أنه بإمكاننا تبويبها تحت هذا العنوان: نسيان الله أو تناسيه والعمل على بناء حضارة عالمية لا دينية تكون أساساً لمدنيّة القرن الحادي والعشرين. ومن المؤسف جداً أن الإنسان المعاصر لا يرغب في التأمل في دروس وعبر التاريخ القديم والحديث والمعاصر. لا تنمو حياة الإنسان ولا تزدهر إن نظرنا إليه كمجرّد مستهلك للمصنوعات الماديّة.ولا تتحسّن حياة الإنسان إن جعلنا من الحرية مفهوماً مستقلاً عن الأخلاقيات. وهل يمكننا أن نبحث في أخلاقيات مستقلّة عن أي مفهوم دينيّ ؟ وبعبارة أخرى، أهناك أخلاق بدون معتقدات دينية سليمة ؟ طرق البشر التي تنسى الله تؤدي في النهاية إلى الهلاك. وإذ لا زلنا ندرس حوادث الأسبوع الخير من سيرة المسيح على الأرض، تلاحظ أن السيد له المجد شدّد على أهمية تطبيق منهج الله الذي اؤتمن عليه. كان المسيح قد وفد من الله وعاش في الأرض المقدسة وأخذ ينادي بالإنجيل في عامه الثلاثين. التصق به اثنا عشر رجلاً كان قد انتخبهم ليكونوا تلاميذ له. سمعوا تعاليمه وشاهدوا المعجزات والآيات التي قام بها والتي شهدت عن مرسليته السماوية وطبيعتها الفدائية. ولكنهم لم يظهروا استعدادهم لقبول تعاليمه عن العمل الفدائي الفريد الذي كان سيتمّمه بموته على الصليب وبقيامته من بين الأموات. وفي الليلة الأخيرة من سيرته على الأرض، تكلّم المسيح عن تسليمه من قبل أحد التلاميذ فقوبل كلامه بالدهشة المطلقة. ولمّا قال يسوع هذا اضطرب بالروح وتنهّد قائلاً: الحق، الحق أقول لكم: إن واحداً منكم سيسلمني. فأخذ التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم حائرون فيمن يكون هذا الذي يتكلّم عنه. لم يظهر التلاميذ أي استعداد لقبول حتميّة الصليب. فكلّما كان المسيح يشير إلى موته على الصليب، كان التلاميذ يعترضون عليه. وعندما ذكر المسيح أن تسليمه إلى أيدي أعدائه كان سيتم على يد تلميذ، بهتوا للغاية. فأومأ سمعان بطرس إلى يوحنا الذي كان قريباً من المسيح على مائدة العشاء بأن يسأله عن شخصيّة الخائن. فقال يوحنا للمسيح: يا سيّد من هو؟ فأجاب يسوع: هو الذي أغمس اللقمة وأناوله. وغمس اللقمة وناولها ليهوذا سمعان الإسخريوطي. وبعد اللقمة دخل فيه الشيطان. فقال له يسوع: ما تفعله فافعله عاجلاً. ولم يفهم أحد من المتكئين لماذا قال له ذلك. فقد ظن بعضهم، إذ كان الصندوق مع يهوذا، إن يسوع قال له: اشتر ما تحتاج إليه للعيد. أو أن يعطي الفقراء شيئا. فلما تناول اللقمة خرج للحال. وكان ليل. من الصعب أن نفهم الدوافع الخفية التي جعلت يهوذا يخون المسيح. فقد كان باستطاعته أن يرتدّ عن جماعة التلاميذ عائداً إلى حياته الماضية وسائراً على طريق معاصريه اليهود. لم يكتف يهوذا بالتخلي عن المسيح بل اتصل بأعداء المخلص من رؤساء الكهنة وخبراء الشريعة الموسوية وتشاور معهم في كيفية تسليم المسيح بدون لفت أنظار الشعب. وحتى في تلك اللحظة الخيرة أعطى المسيح يهوذا الفرصة الذهبية ليرعوي عن غيّه ويعود إلى صوابه عندما ناوله لقمة العشاء. كان هذا عملاً نبيلاً يقوم به صاحب العشاء للذين استضافهم وخاصة في أيام عيد الفصح. رفض الخائن بادرة المسيح فما أن تناول اللقمة حتى خرج للحال للقيام بعمله الإجرامي، وكان ليل. فلمّا خرج قال يسوع: الآن تمجّد ابن الإنسان، وتمجّد الله فيه. وإن كان الله قد تمجّد فيه فالله أيضاً سيمجّده في ذاته ويمجّده في الحال. يا بنيّ، أنا معكم بعد زماناً يسيراً وستطلبونني وكما قلت لليهود أقول لكم أنتم أنّه حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. كيف تكلّم المسيح عن تمجّد ابن الإنسان (أي عن تمجّده) وهو على وشك بأن يسلّم إلى أيدي الخطاة والأثمة والمستعمرين الرومان ؟ وكان المسيح قد اتّخذ لقب ابن الإنسان للدلالة على كونه، وهو كلمة الله الأزلي، قد يجسّد وصار إنسانا وعاش بيننا نحن البشر. كيف تكلّم المسيح عن تمجّده من الله الآب وهو يسير على الرب الصليب ؟ أي منطق هذا الذي يسوي بين الصليب والمشيئة الإلهية ؟ فإن سرنا على المنطق البشري المستقل عن الله ووحيه وبرنامجه الفعال لإنقاذ الإنسان من وعدة الشر، قد نجد أكثر من علّة لنفي وانكار حتمية آلام وموت المسيح. لكن الله الذي خلقنا على صورته وشبهه والذي رأى تاج الخليقة يقع في عبودية الخطية والشر، وضع برنامجه الخلاصي موضع التنفيذ. وهذا اقتضى أن يتألم المسيح ويرفض من زعماء الدين في اسرائيل ويموت على الصليب ويقوم في اليوم الثالث من بين الأموات. ولكن لما الآلام والصليب ؟ لماذا لم ينقذنا الله بفضل قوّته اللامحدودة ؟ ألا ندعوه بالقدير، فلماذا لم يكن قادراً على أن يخلّصنا بدون آلام المسيح وموته على الصليب ؟ علينا الذهاب إلى الوحي الإلهي لنصل إلى التعليل الإلهي لحتمية الصليب. كان المسيح قد وفد عالمنا وهو عليم بكل ما سيحدث له من رفض الزعماء الدينيين له وتسليمه إلى أيدي الرومان وصلبه وموته وقيامته. كان ذلك ضرورياً للتكفير عن خطايانا وآثامنا ومعاصينا. وتكلّم المسيح عن أهمية المحبة في حياة المؤمنين والمؤمنات: إني أعطيكم وصيّة جديدة: أن يحب بعضكم بعضاً، فكما أحببتكم أنا، ليحب أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حبّ بعضكم لبعض. كانت محبة المسيح للمؤمنين محبة لا نهائية، تامة، كاملة، مطلقة، بدون حدود. كان من واجبهم الآن أن يظهروا محبتهم لبعضهم البعض. على كل منهم أن ينشد خير الآخرين، لا منفعته الذاتية. وما سمع التلاميذ وصيّة المحبّة حتى قال بطرس للمسيح: يا سيّد إلى أين تذهب ؟ أجاب يسوع: حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني. ولكنك ستتبعني فيما بعد. قال له بطرس: يا سيّد، لماذا لا أقدر أن أتبعك الآن. إني أبذل نفسي عنك. أجاب يسوع: أأنت تبذل نفسك عني ؟ الحق، الحق أقول لك: إنّه لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرّات. لم يدر بطرس محدوديته ولم يقرّ بضعفه كبشريّ. ظنّ أنه كان بمقدوره أن يصاحب المسيح أو أن يشاركه في عمله الخلاصي الفريد الذي لم يكن أي بشري مدعواً للمشاركة به. لم يكن بمقدور بطرس أن يموت للتكفير عن خطايا الآخرين. لكنه كان سيتبع المسيح في النهاية بمعنى أنه كان سيستشهد في سبيل ربّه ومخلّصه ويلاقيه في ديار النعيم. وقعت كلمات المسيح هذه على بطرس وقوع الصاعقة. أهو مزمع أن ينكر سيّده ثلاث مرات قبل صياح الديك ؟ ! كلا، هذا غير ممكن. إنه سيبقى مع المسيح حتى النهاية ولن يسمح لأي بشري بأن يمس المخلص أو يلقي القبض عليه. هذه كانت عزيمة بطرس، التلميذ المندفع والشجاع. لكن نبوة المسيح تمت وأنكر بطرس ربّه ثم تاب عن غيه وبكى بكاء مرا. ساعدنا الله لنسير على طريقه الفعال للخلاص بقبولنا للمسيح كمخلصنا من الخطية لننعم بالحياة الأبدية فنضمن بذلك مكاننا في ديار النعيم.

الكلمة صار جسداُ




الكلمة صار جسداُ

"في البدء كان الكلمة, والكلمة كان عند الله, وكان الكلمة الله." "والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده." الإنجيل حسب يوحنا 1: 1 و 14 إذ تتسارع السنوات الأخيرة من القرن العشرين وأخذ البعض يتحدثون عن القرن العشرين, لا بد لكل بشري من التأمل في مصير الإنسانية بعد كل الأهوال التي حلت بها منذ مطلع قرننا هذا. فلقد كثرت الاختراعات وتفنن الناس في الطرق المعيشية وكبرت الهوة الفاصلة بين الأثرياء والفقراء. وزد على ذلك انتشار الفوضى في الحياة الفكرية ومحاولة البعض بناء عالم جديد بدون الله واعدين الذين يسيرون في ركابهم بفردوس أرضي تنعدم فيه مشاكل ومتناقضات الحياة! ومع انتشار النظريات الحياتية المتعددة إلا أنه من الممكن أن تلخص فحواها بأنها في أغلبيتها تصورات للواقع خيالية من أي ذكر لله الباري. وهذا أمر مؤسف للغاية لأننا نحن البشر – مهما حاولنا وجاهدنا – لا نستطيع أن نتهرب من مجابهة موضوع الله. فنحن إن لم نعترف بخالقنا القدير نرى أنفسنا وقد اخترعنا آلهة باطلة تضحي طاغية ومستبدة. بالنسبة لما كنا قد منحنا هذه الآلهة من قوة وتدبير. وليس كلامنا هذا مبنياً على اجتهاد شخصي بل ينبعث من دراستنا لكلمة الله كما وردت في الإنجيل حسب يوحنا. ففي فاتحة الإنجيل, تطرق الرسول للكلام عن موضوع جوهري يتعلق بالله وبكون الله قد كشف عن ذاته بواسطة كلمته الذي تجسد وصار إنسانا ليتمم برنامج الله الخلاصي. فالبشرية الغارقة في الظلام الروحي الدامس لبحاجة إلى كشف إلهي وخلاص إلهي. مجرد إعلان الله لذاته لا يكفي وذلك لأن الإنسان – كل إنسان – يرزح تحت عبودية الخطية والمعصية. في البدء كان الكلمة, والكلمة كان عند الله, وكان الكلمة الله. كان هو في البدء عند الله. كل الأشياء به كونت ومن دونه لم يكن شيء مما كون. وما نستقيه من كلمات يوحنا الرسول هذه أن كلمة الله كان البدء. هذا يعني أنه في البدء عندما خلق الله السموات والأرض – كما ورد في فاتحة توراة موسى – كان الكلمة. فأزلية كلمة مؤكدة في كلمات الوحي هذه وكذلك تعدد أقانيم اللاهوت مشار إليه في هذه الكلمات والكلمة كان عند الله. وألوهية الكلمة وردت في نهاية الآية الأولى من الإنجيل: وكان الكلمة الله. ويمكن النظر في هذه الفاتحة كأهم حقيقة وردت في الوحي الإلهي لأنها تكون أساس التفكير السليم بخصوص الله الواحد القدوس وأقنوميته الأزلية. قبل أن يوجد عالمنا هذا كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. وكل نظرية حياتية لا تأخذ عقيدة الله وأزليته كنقطة انطلاقها هي مخطئة مبدئياً وكل ما يبنى عليها من برامج حياتية يكون مصيره الفشل الذريع. ولذكر كلمة الله في فاتحة الإنجيل سبب هام إلا وهو كون الأقنوم الثاني في اللاهوت معبراً عن الله أو كاشفاً له. وقد تم خلق الكون بواسطة الكلمة: "كل الأشياء به كونت ومن دونه لم يكن شيء مما كون. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس, والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه." ومع أن كلمة الله الأزلي كان عاملا منذ البدء في أمور الخليقة إلا أنه كان سيدخل حياة البشرية بصورة حميمة لم يسبق لها مثيل. وقبل حدوث ذلك أرسل الله نبياً لبني إسرائيل في مطلع القرن الأول كان اسمه يوحنا, وكان والده يدعى زكريا الكاهن واسم أمه اليصابات. أسند الله ليوحنا الملقب بالمعمدان مهمة فريدة. كانت رسالته أن يشهد للكلمة ولنوره الوضاح الذي كان سيبزغ على البشرية. عاش المعمدان شاهداً للنور لكي يؤمن الكل بواسطته. ومع أن البعض من معاصريه ظنوا انه كان المسيح المنتظر إلا أن الإنجيل أكد قائلاً: لم يكن هو النور بل ليشهد للنور. ومن أشد الكلمات وقعاً في النص الكتابي هي هذه الكلمات التي تصف لنل موقف بني اسرائيل من المسيح: "لقد كان في العالم والعالم لم يعرفه. إلى خاصته جاء ومن كانوا خاصته لم يقبلوه." لكن الله لا يعرف الفشل وبرنامجه الخلاصي سينجح بالرغم من عداوة الناس وغرقهم في ظلام الخطية الموت. فمع أن العديدين من معاصري المسيح لم يقبلوه – وقد حدث هذا على مر العصور وفي شتى الأقاليم والأمصار – إلا أن الكثيرين رحبوا به وقبلوه كموفد الله. وكما ورد رآني فقد رأى الآب؛ فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟ ألا تؤمن أني في الآب وأن الآب فيّ؟ الكلام الذي أكلمكم به لا أتكلم به من نفسي ولكن الآب الحال في هو يعمل أعماله؟ صدقوني أني أنا في الآب والآب فيّ؛ وإلا فصدقوني من أجل الأعمال نفسها. يا لها من كلمات رائعة! رغبة فيلبس بأن يكشف الله عن ذاته في وحي خاص كانت في محلها ولكن خطأه كمن في أنه لم ير ذلك الوحي في المسيح يسوع, كلمة الله المتجسد. من رآني فقد رأى الآب لقد سر الله بان يكشف عن ذاته في المسيح المخلص. من رفض الإيمان بهذه الحقيقة العظمى يكون قد حرم نفسه من أعظم هبة إلهية. وأن صعب على فيلبس أو أي إنسان آخر قبول كلمات المسيح هذه فلينظر إلى أعمال المسيح الباهرة والتي شهدت للملأ بأنه جاء من الله للقيام بمهمة فريدة ألا وهي انقاذ البشرية من وهدة الشر والهلاك. ونظرا لأهمية العمل الذي كان المسيح سيسنده إلى تلاميذه الأوفياء بعد تتميمه لرسالته الخلاصية, نفت أنظارهم إلى المستقبل الباهر الذي كان ينتظرهم وهم ينشرون الأنباء السارة في مختلف بقاع العالم المتوسطي. الحق, الحق أقول لكم: إن من يؤمن بي فإن الأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها, لأني ماض إلى الآب.ومهما سألتم باسمي فإني أفعله لكي يتمجد الآب في الابن. وإن سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله. ومع صراحة كلمات المسيح ظن التلاميذ أن ذهابه عنهم من الناحية الجسدية كان سيترك فراغاً روحياً هائلاً. ولذلك كشف لهم السيد عن موضوع إرسال الله الآب للروح القدس ليمكث معهم وسائر المؤمنين والمؤمنات عبر العصور المتتالية ليقودهم في طريق الحق والحياة: إن كنتم تحبونني فإنكم تحفظون وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليكون معكم إلى البدء, روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما انتم فتعرفونه لأنه يمكث معكم ويكون فيكم. وتابع المسيح يسوع كلامه عن الروح القدس وعمله المنعش في جسد جماعة الإيمان قائلاً: كلمتكم بهذه الأشياء وأنا مقيم معكم. وأما المعزي, الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي, فهو يعلمكم كل شيء. ويذكركم بجميع ما قلته لكم. السلام أستودعكم, سلامي أعطيكم, ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترتعب. قد سمعتم أني قلت لكم: أنا ذاهب ثم آتي إليكم. لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني ذاهب إلى الآب, فإن الآب أعظم مني وقد أخبرتكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون. لا أكلمكم بعد كثيراً فإن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء. إنما هذه ليعلم العالم أني أحب الآب وأني أعمل كما أوصاني الآب. قوموا ننطلق من ههنا. صعب على تلاميذ المسيح أن يتصوروا حياة بدون حضوره فغمرتهم موجة هائلة من الغم. لكن السيد له المجد لفت أنظارهم إلى أنه لم يكن سيتركهم يتامى بل كان الروح القدس سيحل على جماعة الإيمان فيضحي المسيح حاضراً مع المؤمنين والمؤمنات. وبينما انحصرت مناداة المسيح بالإنجيل في تخوم الأرض المقدسة كان تلاميذه الأوفياء, بعد حلول الروح القدس عليهم,سيندفعون برسالة الإنجيل الخلاصية إلى سائر العالم داعين الناس أجمعين للتوبة والإيمان بمن جاء من الله لإنقاذ البشرية من الخطية والدمار. وبغض النظر عن ضعف رسل المسيح وقلة شأنهم بالنسبة إلى بطش وجبروت الإمبراطورية الرومانية التي كانت مسيطرة على العالم القديم, انتصرت رسالة الإنجيل التحريرية لأن الروح القدس كان يعمل بقوة على إنقاذ الناس من عبوديتهم للأصنام جاعلاً منهم مؤمنين بالله وبمسيحه المخلّص. ولم يقتصر انتشار الإنجيل على تلك العصور القديمة بل لا يزال الخبر المفرح يمتد في كل إقليم وبلد. والمنادون بكلمة الإنجيل لا يتكلمون على حكمتهم أو بلاغتهم بل على الروح القدس, الرب المحيي الذي أوحى بالكتاب المقدس والذي ينير عقول وأفئدة الناس ليقبلوا انجيل