.
لمسة يسوع
الموضوعات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل

المحبة


وصية جديدة أنا أعطيكم

"المحبة"

===============

"لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ"

(يو17: 26)

قال السيد المسيح لتلاميذه في تعاليمه عن المحبة.. "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضاً" (يو13: 34).

إن الحب الأخوي في المسيحية ليس على غِرار حب أهل العالم الجسدي.. فالحب المسيحي بالدرجة الأولى في كل صوره وأشكاله هو حب انسكب في قلوب المؤمنين المسيحيين بالروح القدس المنسكب من فوق.. "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا" (رو5: 5).

إنه من نوعية الحب الذي أحبنا به السيد المسيح.. ذلك الحب الذي لا يبغي شيئًا إلاَّ الحب ذاته، ولا يقف عند حد بل كما أحبنا المسيح إلى المنتهى هكذا الحب المسيحي..

"وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً (أف5: 2).

"فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَ. أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضًا أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا" (1يو4: 10-11).

إنه ليس حب نفعي.. بل هو حب خالص فريد مُتميز..

"لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ" (لا19: 18).

E "لأَنَّ كُلَّ النَّامُوسِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ: تُحِـبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (غل5: 14)

تعاليم السيد المسيح

مَنْ هو القريب؟

سؤال من واحد ناموسي:

"وإذا ناموسيٌّ قامَ يُجَرّبُهُ قائلاً: "يا مُعَلّمُ، ماذا أعمَلُ لأرِثَ الحياةَ الأبديَّةَ؟" (لو10: 25).

أجابه: "فقالَ لهُ: "ما هو مَكتوبٌ في النّاموسِ. كيفَ تقرأُ؟". فأجابَ وقالَ: "تُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ مِنْ كُل قَلبِكَ، ومِنْ كُل نَفسِكَ، ومِنْ كُل قُدرَتِكَ، ومِنْ كُل فِكرِكَ، وقريبَكَ مِثلَ نَفسِكَ". فقالَ لهُ: "بالصَّوابِ أجَبتَ. اِفعَلْ هذا فتحيا" (لو10: 26-28).

لكنه لم يكتـفِ بهذه الإجابة، بل أراد أن "يُبَرِّرَ نَفسَهُ".. فعاد وسأل الرب يسوع: "ومَنْ هو قريبي؟" (لو10: 29).

فحكى السيد المسيح مَثَل السامري الصالح وفي النهاية قال: "فأيَّ هؤُلاءِ الثَّلاثَةِ تَرَى صارَ قريبًا للذي وقَعَ بَينَ اللُّصوصِ" (لو10: 36).

فأجاب بدون تَردُد: "الذي صَنَعَ معهُ الرَّحمَةَ" (لو10: 37).

محبة الأعداء

"سمِعتُمْ أنَّهُ قيلَ: تُحِبُّ قريبَكَ وتُبغِضُ عَدوَّكَ. وأمّا أنا فأقولُ لكُمْ: أحِبّوا أعداءَكُمْ. بارِكوا لاعِنيكُمْ. أحسِنوا إلَى مُبغِضيكُمْ، وصَلّوا لأجلِ الذينَ يُسيئونَ إلَيكُمْ ويَطرُدونَكُمْ، لكَيْ تكونوا أبناءَ أبيكُمُ الذي في السماواتِ، فإنَّهُ يُشرِقُ شَمسَهُ علَى الأشرارِ والصّالِحينَ، ويُمطِرُ علَى الأبرارِ والظّالِمينَ. لأنَّهُ إنْ أحبَبتُمُ الذينَ يُحِبّونَكُمْ، فأيُّ أجرٍ لكُمْ؟ أليس العَشّارونَ أيضًا يَفعَلونَ ذلكَ؟ وإنْ سلَّمتُمْ علَى إخوَتِكُمْ فقط، فأيَّ فضلٍ تصنَعونَ؟ أليس العَشّارونَ أيضًا يَفعَلونَ هكذا؟ فكونوا أنتُمْ كامِلينَ كما أنَّ أباكُمُ الذي في السماواتِ هو كامِلٌ" (مت5: 43-48).

قصة أهل كورنثوس.. الكنيسة الناشئة، والمواهب التي أعطاها لهم الله:

"وَلَكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأَيْضاً أُرِيكُمْ طَرِيقاً أَفْضَلَ" (1كو12: 31).

الوجه الإيجابي للمحبة

"المَحَبَّةُ تتأنَّى وترفُقُ. المَحَبَّةُ لا تحسِدُ. المَحَبَّةُ لا تتفاخَرُ، ولا تنتَفِخُ، ولا تُقَبحُ، ولا تطلُبُ ما لنَفسِها، ولا تحتَدُّ، ولا تظُنُّ السّؤَ، ولا تفرَحُ بالإثمِ بل تفرَحُ بالحَق، وتَحتَمِلُ كُلَّ شَيءٍ، وتُصَدقُ كُلَّ شَيءٍ، وترجو كُلَّ شَيءٍ، وتصبِرُ علَى كُل شَيءٍ. المَحَبَّةُ لا تسقُطُ أبدًا" (1كو13: 4-8).

معوقات للمحبة

الأموال والمُقتنيات.. المحبة "لا تطلُبُ ما لنَفسِها" (1كو13: 5).

الحِدة.. المحبة "لا تحتَدُّ" (1كو13: 5).

الحسد.. المحبة "لا تحسِدُ" (1كو13: 4).

التفاخر والانتفاخ والتقبيح.. المحبة "لا تتفاخَرُ، ولا تنتَفِخُ، ولا تُقَبحُ" (1كو13: 4-5).

الأنانية.. المحبة "لا تطلُبُ ما لنَفسِها" (1كو13: 5).

ظن السوء.. المحبة "لا تظُنُّ السّؤَ" (1كو13: 5).

الفرح بالإثم.. المحبة "لا تفرَحُ بالإثمِ بل تفرَحُ بالحَق" (1كو13: 6).

الرب قادر أن يعطيكم الفرح الدائم..

لإلهنا كل المجد من الآن وإلى الأبد آمين.

شفاء النفس من الجروح





بالبلدي كدا كلنا بنتجرح من الناس وكلنا في ذكرتنا احداث محزنه جدا ومش قادرين ننساها وحتي لو نسناها بيكون نسيان موقت واكيد محتاجين لفشاء نفسي

الكتاب بيقول
«رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ» (إشعياء 61: 1)

الكلامات ديه قالها النبي اشعياء بروح النبوه عن المسيح في مجيئه الاول
وهي نفس الايات اللي قراها المسيح في المجمع. (لوقا 4 : 18)


أ – لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ - روحياً – بشارة الغفران
ب – لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ – نفسياً - شفاء النفس
ج – لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ – من القيود اللي ممكن تكون اسبابها روحية

يبقي المسيح مجاش بس ليبشر المسكين بالروح(أاللي محتاجين غفران خطاياهم للتصالح مع الله) ببشارة الغفران وأن لهم ملكوت السموات زي ما جه في الموعظة علي الجبل: ( متي 5 : 3 )
لكن جه كمان عشان يشفي القلب المكسور، يعني النفس المجروحه من احداث الحياة اليومية

وبعد كدا يطلق المأسورين احرار من القيود الروحية بسبب الخطية وأعمال إبليس، والقيود النفسية بسبب الجراح المدفونه جوه النفس.
والتعليق اللي كتبة إشعياء كان يخص اكتر التأثير المدمر للجراح والأحزان فيقول :

لأعزي كل النائحين
لأعطيهم جمــال عوضاً عن الرماد
و دهن فرح عوضاً عن النوح
و رداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة
فيدعون أشجار البر غرس الرب للتمجيد.

مهما كان حصل لمشاعرك تدمير – مهما اتشوهت نفسيتك
يسوع يشفي ويداوي ويحول الرماد إلى جمال والنوح إلى فرح واليأس إلى تسبيح.
مش هو قال
«أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ, وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ, وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ, وأعصب الْجَرِيحَ, وَأُبِيدُ السَّمِينَ وَالْقَوِيَّ, وَأَرْعَاهَا بِعَدْلٍ.»(حز 34:15 – 16)
يلا نطلب يسوع ونسبها عليه

أحداثٌ هامَّةٌ في حياةِ المسيح



"أحداثٌ هامَّةٌ في حياةِ المسيح"



رُغمَ أنَّ شخصيَّةَ يُوحنَّا المعمدان هي ذات دلالة بالِغة الأهمِّيَّة، ولكن لم يُخصَّصْ لهُ إلى فسحة قليلة في الأناجيل. قالَ يسوعُ أنَّ هذا الرَّجُل كانَ أعظَمَ رجُلٍ وأعظَمَ نَبِيٍّ ولدتْهُ امرأَة (متَّى 11: 11؛ لُوقا 7: 28).

وُصِفَت حياةُ يُوحنَّا المعمدان بإيجاز في الأناجيل الأربَعة. فما هي الدلالَةُ من حياتِه؟ أوَّلاً، لم يكُنْ فقط أعظَمَ الأنبِياء، بل وكانَ آخِرَ الأنبِياء. لقد كرزَ الأنبِياءُ بالأخبارِ السارَّة أنَّ المسيَّا آتٍ. أمَّا هذا النَّبِيُّ فأشارَ إلى رجُلٍ يسيرُ على طريقِ الجَليل وقالَ لتلاميذِهِ، "هُوَّذا حَمَلُ الله الذي يرفَعُ خطِيَّةَ العالَم." (يُوحنَّا 1: 29). لقد كانَ يُوحنَّا المعمدان آخِرَ الأنبِياء المَسياوِيِّين، وكانَ الشخص الذي عرَّفَ شعبَ الله على المسيَّا.

معمُوديَّةُ يسوع

هُناكَ بِضعَةُ أحداثٍ في حَياةِ يسوع المسيح، تُوصَفُ في الإصحاحات الأُولى من إنجيلِ متَّى، مرقُس، ولوقُا. ذاتَ يوم، كانَ يُوحنَّا يُعمِّدُ ورأى رجُلاً شابَّاً مثلَهُ ينتَظِرُ دورَهُ ليعتَمِدَ منهُ. فعندما رأى يُوحنَّا يسوع، قال، "أنا مُحتاجٌ أن أعتَمِدَ مِنك." ولكنَّ يسوعَ أجابَ بِما مَعناهُ، "إسمَحِ الآن، لأنَّهُ ينبَغي أن نُتمِّمَ كُلَّ بِرّ." وهكذا عمَّدَ يُوحنَّا يسُوع، وعندما فعلَ ذلكَ، نـزلَ الرُّوحُ على يسوع بِشكلِ حمامَةٍ، وتكلَّمَ اللهُ الآبُ قائِلاً،"هذا هُوَ إبني الحَبيب الذي بِهِ سُرِرت." تُسمَّى هذه الحادِثة بِشهادَة يُوحنَّا المعمدان (متَّى 3: 17).

لم تكُنْ معمُودِيَّةُ يَسُوع تماماً مثل معمُوديَّتَنا اليوم. فمَعمُوديَّتُهُ هي واحِدَةٌ من الحوادث الهامَّة في حياتِه. لقد كانت بِمثابَةِ تدشينٍ لخدمتِهِ العلنيَّة التي استمرَّت ثلاث سنوات. عندما يُنتَخَبُ شخصٌ كرئيس أُمَّة، تُقامُ لهُ حفلةُ تدشين. وفي هذا التدشين، يقومُ الرئيسُ الجديدُ بإلقاءِ خُطابَ القَسَم الذي يفتَتِحُ بهِ رئاستَهُ. ولقد بدأَ يسوعُ خدمتَهُ بتدشينٍ إفتِتاحِيّ. ولكن في هذه الحالة، كانَ اللهُ القديرُ هُوَ المُتكلِّم، وكانَ خطابُهُ قصيراً جداً، إذ قال بِبساطة: "هذا هوَ إبني الحَبيب الذي بِهِ سُرِرت." (متى 3: 17)

تجرِبَة يسوع

في الإصحاحِ الرابِع من إنجيلِ متَّى، نقرَأُ أنَّ معمُوديَّة يسوع أُلحِقَت بحَدَثٍ مُهِمٍّ آخر. إقتادَهُ الرُّوحُ إلى البَرِّيَّة حيثُ كانت لهُ مُواجَهَةٌ معَ الشيطان، بعدَ أن قضى أربعينَ يوماً في الصَّوم، حيثُ جُرِّبَ ثلاثَ مرَّات. أوَّلاً جاءَ إليهِ المُجرِّبُ وقالَ، "إن كُنتَ إبنَ الله، فقُلْ لهذه الحِجارة أن تَصيرَ خُبزاً." فأجابَ يسوع، "مكتُوب، ليسَ بالخُبزِ وحدَهُ يحيا الإنسان، بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تخرُجُ من فَمِ الله." لقد كانت الكلمَةُ التي نطَقَ بها يسوع والمُسجَّلَة في الأناجيل المُتشابِهَة النَّظرة، "مكتُوبٌ." (متَّى 4: 4)

التجرِبَةُ الثانِيَة حدَثَت عندما جرَّبَ إبليس يسوع بأن يقفُزَ من أعلى مكانٍ في هيكَلِ سُليمان. "إن كُنتَ إبنَ الله،" قالَ الشيطان، "فاطرَحْ نفسَكَ إلى أسفَل. لأنَّهُ مكتُوبٌ أنَّهُ يُوصِي ملائِكتَهُ بِكَ. فعلى أيادِيهِم يحمِلُونَكَ لِكَي لا تصدِمَ بِحَجَرٍ رِجلَك." (متى 4: 6) هُنا نجِدُ الشيطانَ يقتَبِسُ آياتٍ من الكِتابِ المقدَّس. فهُوَ يعرِفُ هذا الكِتاب جيِّداً، وهُوَ يُحِبُّ أن يُغيظَ المُؤمِنين بذكرِهِ لهُم آياتٍ تدينُهم أو تُخيفُهم.

كانَ يسُوعُ سيُعلِنُ قريباً أنَّهُ اللهُ في جَسَدٍ إنسانيّ. فكَيفَ كانَ يُمكِنُ لأيٍّ كانَ أن يُؤمِنَ بهكذا تصريح؟ هُنا نرى الشيطان يقتَرِح أن يستَخدِمَ يسوعُ قِواهُ الخارِقة للطبيعة لكَي يُبرهِنَ إدِّعاءَهُ. ولكنَّ يسوع أجابَ الشيطان، "مكتُوبٌ أيضاً، لا تُجرِّبِ الربَّ إلهكَ." (متى 4: 7)

التجرِبَةُ الثالِثَةُ ليَسُوع هي عندما أراهُ الشيطانُ كُلَّ ممالِكَ العالم ومَجدَها. وقالَ لهُ "أُعطيكَ هذه جميعَها إن خَرَرتَ وسجدتَ لي." ولكنَّ يسوعَ أجابَهُ، "إذهَبْ يا شيطان. لأنَّهُ مكتُوبٌ للرَّبِّ إلهِكَ تسجُد وإيَّاهُ وحدَهُ تعبُد." (متى 4: 8- 10)

ما هي دَلالَةُ تجرِبَةِ يسُوع في البَرِّيَّة؟ أوَّلاً، أعتَقِدُ أنَّهُ لو كانت هُناكَ أيَّة طريقَة للشَّيطان لكَي يتجنَّبَ هذه المُواجَهة، لكانَ تجنَّبَها. نحتاجُ أن نفهَمَ أنَّ رُوحَ الله كانَ يقودُ يسوع المسيح لكَي يتواجَهَ معَ الشيطان في بِدايَةِ خدمتِهِ العَلَنيَّة. وإذا تكلَّمنا مجازِيَّاً، "هذا هُوَ الأخُ الأكبَر – يسُوع" الذي يُسوَّي حِسابات أخيهِ الأصغَر –آدَم،" والذي كانَ الشيطانُ قد أغراهُ وأسقطَهُ في جنَّةِ عدَن. إنَّ تجرِبَةَ يسوع الأُولى هي بجَوهَرِها التجربة ذاتَها التي واجَهَها آدَم وحَوَّاء في جنَّةِ عَدَن.

كما لاحظنا سابِقاً، أجابَ يسوعُ على تكرار تجرِبَةِ جنَّة عدَن بالإقتِباس من كلمةِ الله: "مكتُوبٌ ليسَ بالخُبزِ وحدَهُ يحيا الإنسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تخرُجُ من فَمِ الله." (متى 4: 4) في جنَّة عدَن، طرحَ الشيطانُ السؤالَ التالي، "أحقَّاً قالَ الله؟" فأجابَ آدَم وحَوَّاء بما معناه، "نعم هذا ما قالَهُ اللهُ." فأجابَ الشيطانُ بما معناهُ، "حسناً، إنَّ ما قالَهُ اللهُ ليسَ صحيحاً." فبعدَ أن شكَّكَ بقضيَّةِ ما إذا كانَ اللهُ قد تكلَّمَ بأيِّ شيءٍ بتاتاً، شكَّكَ بعدَ ذلكَ بكَلِمَةِ الله وتحدَّاها وعصا عليها.

هل يبدو هذا لكَ مألُوفاً. إبليس لم يتوقَّف عن طَرحِ هذا النَّوع من الأسئِلة عبرَ تاريخِ شعب الله المُطوَّل. إنَّ كُلاً من هذه التجارِب هي أيضاً وصفٌ لتجارِب الخطيَّة التي نُواجِهُها اليوم. وهذا أيضاً تعريفٌ للخطيَّة. فالخطيَّةُ هي ما نعمَلُهُ أو لا نعمَلُهُ حيالَ ما نعلَم أن اللهَ قالَهُ.

الحقيقَةُ الهامَّةُ التي يتجاوَبُ معَها في هذه التَّجرِبَة الأُولى هي أنَّنا إذا أردنا أن نعيشَ، فإنَّ كلمةَ الله سوفَ تُرينا كيفَ نعيش. فبِمقدارِ ما نفهَمُ الكِتابَ المقدَّس، بمِقدارِ ما سنفهَمُ الحياة. وبمِقدارِ ما نفهَمُ الحياة، بِمقدارِ ما سنفهَمُ الكتابَ المقدَّس ونقدُرُهُ حقَّ قدرِهِ. فالكِتابُ المُقدَّسُ والحياة يُلقِيانِ الأضواءَ على بعضِهما البَعض. فالقصدُ من الكِتابِ المقدَّس هو أن نعرِفَ كيفَ نعيش.

في جنَّةِ عَدَن، كانَ جوهَرُ التجرِبَةِ أن تضعَ حاجاتِكَ المادِّيَّة أوَّلاً، وأن تضَعَ ما يُريدُكَ اللهُ أن تعمَلَهُ ثانِيَاً. بِكَلِماتٍ أُخرى، فسِّر كَلِمَةَ اللهِ على ضوء حاجاتِكَ الجسديَّة. لقد أرادَهُم اللهُ أن يُفسِّرُوا حاجاتِهِم الجسديَّة على ضوءِ كَلِمتِهِ لهُم. بمعنىً آخر، كانت التجرِبَةُ، "حاجَاتُكَ أوَّلاً، وكلمةُ اللهِ ثانِيَاً."

عندما جُرِّبَ يسوعُ بأن يُحوِّلَ الحجاَرةَ خُبزاً، كانت التجرِبَةُ، "لقد كُنتَ صائِماً لمُدَّةِ أربَعينَ يوماً. فاستخدِم قِواكَ الخارِقة للطبيعة لكَي تضعَ حاجاتِكَ المادِّيَّة أوَّلاً، وكلمة الله ومشيئتَهُ ثانِياً. فكانَ جوابُ المسيح، "كَلِمَةُ اللهِ أوَّلاً، والحاجاتُ ثانِيَاً."

يُمكِنُ إيجازُ رِسالَةِ الكتابِ المقدَّس بكَلِمتَين هُما: "اللهُ أوَّلاً." إنَّ أجوِبَة يسوع على التجارِب الثلاث يُمكِنُ تَلخِيصُها بهاتَين الكلمتَين أيضاً. تذكَّرْ أنَّ التجرِبَة ليسَت خطيَّة. بل كيفيَّة تجاوُبِنا معَ التجربِة هي إمَّا غلبَة أو خطيَّة. إنَّ تجاوُبَنا معَ التجربِة اليوم ينبَغي أن يكونَ تطبيقاً لهاتَين الكلمتَين أيضاً – "اللهُ أوَّلاً."

في التَّجرِبَةِ الثانِيَة، إقتَبَسَ الشيطانُ من كَلِمَةِ اللهِ وإقتَرَحَ أن يُبرهِنَ يسوعُ أنَّهُ إبن الله بأن يقفُزَ من أعلى مكانٍ في هيكَلِ سُليمان. كانت الفِكرَةُ أنَّهُ عندما سيُنقَذُ عجائِبيَّاً من قفزَتِهِ، كانَ سيُبرهِنُ أنَّهُ إبن الله.

هُنا أيضاً أجابَ يسوعُ بالإقتِباسِ من كَلِمَةِ الله، مُشيراً إلى الشيطان، أنَّ اللهَ قالَ أنَّهُ علينا أن لا نُجرِّبَهُ. هُناكَ فرقٌ دَقيقٌ بينَ أن نضعَ جزَّةَ الصوف، كما فعلَ جِدعَون، وبينَ أن نُجرِّبَ الله (قُضاة 6: 37، 38). عندما ننضَمُّ في صُفوفِ "جامِعَةِ الإيمان" – قابِلِينَ التحدِّي بأن نُصبِحَ أتباعَ المسيح، لا يَحِقُّ لنا أن نُخضِعَ اللهَ للإمتِحان. بل هُوَ من لهُ الحقُّ بأن يمتَحِنَنا ساعَةَ يشاء، وليسَ نحنُ من لنا الحقُّ بإمتِحانِ اللهِ.

المرَّةُ الثالِثة التي جرَّبَ فيها الشيطانُ يسوع، عرضَ عليهِ أن يُعطِيَهُ كُلَّ ممالِكِ العالَم، إذا سجدَ يسوعُ لهُ وعبدَهُ. هُنا أيضاً، أجابَ ربُّنا من مقطَعٍ من كَلِمَةِ الله ينسجِمُ معَ جوابِهِ على التجرِبَةِ الأُولى. "مكتُوبٌ، للرَّبِّ إلهِكَ تسجُد وإيَّاهُ وحدَهُ تعبُد." إنَّ جوهَر ما تعنيهِ هذه الكلمات هُو، "اللهُ أوَّلاً،" الأمرُ الذي عُبِّرَ عنهُ كالتالي: "إيَّاهُ وحدَهُ." (متى 4: 10)

إنَّ التطبيقات الشخصيَّة على حياتي وحياتِكَ لهذه التجارِب الثلاث التي اجتازَها يسوع هي واضِحَةٌ جداً. التطبيقُ الأوَّل هُوَ: "اللهُ أوَّلاً!" أوَّلاً كلمةُ الله ثُمَّ حاجاتُنا. إعبَدُوا الله وإيَّاهُ وحدَهُ. جميعُنا نجتازُ في أوقاتٍ نُجرَّبُ فيها أن نستَغنِي عنِ الإيمان بأن نضعَ اللهَ أمامَ الإمتِحان، ناسِينَ أنَّ اللهَ هو الذي ينبَغي أن يضعنا أمامَ الإمتِحان.

بعدَ أن رفضَ يسُوعُ مَشُورَة الشيطان للمرَّةِ الثالِثة، نقرَأُ أنَّ الشيطانَ غادَرَ يسُوعَ "إلى حِين." إنَّ هذه الكلمات تعني أنَّهُ كانَ هُناكَ هُجومٌ شيطانِيٌّ قَويٌّ، مُستَمِرٌّ، ولا يتراجَع ضِدَّ المُخلِّص، عندما عاشَ آخِرَ ثلاث سنوات من حَياتِه. يَصِحُّ هذا خاصَّةً عندما إقتَرَبَ يسُوعُ من الأُسبُوعِ الأخِير الذي فيهِ ماتَ وقامَ من الموت من أجلِ خلاصِنا.

يتساءَلُ البعضُ ما إذا كانَ من المُمكِن أن يسقُطَ يسُوعُ في إحدى تجارِبِ إبليس. ولكن عندما كانَ يسوعُ يُجرَّبُ في البَرِّيَّة، هل كانَ اللهُ يتطلَّعُ من شُرفَةِ السماء، حابِساً أنفاسَهُ، مُتسائِلاً، "هل سينتَصِرُ إبني على التجربة؟" هل تظُنُّ أنَّ الأمرَ كانَ كذلك؟ أُؤكِّدُ لكَ أنَّ اللهَ عرفَ أنَّ إبنَهُ لن يكُونَ مثل آدَم ويستسلِم لهذه التجارِب. فعِندَما جُرِّبَ في البرِّيَّة، كانَ من المُستَحيل أن يسقُطَ يسوعُ أمامَها.

فلِماذا جُرِّبَ إذاً؟ كانَ من المُهمِّ بِنَظَرِ الله أن يُبرهِنَ لنا، في بِدايَةِ حياةِ وخِدمَةِ مُخلِّصِنا، أنَّهُ لا يُمكِن أن يسقُطَ. أحدُ آخِرِ الأعداد في الكتابِ المقدَّس يقولُ عن يسوع المسيح: "وللقادِر أن يحفَظَكُم غَير عاثِرين وأن يُوقِفَكُم أمامَ مجدِهِ بِلا عَيبٍ في الإبتِهاج..." (يهُوَّذا 24). إن كانَ المسيحُ الذي جُرِّبَ ولم يسقُطْ يحيا فينا، هل بإمكانِهِ أن يحفظَنا من السُّقُوط؟ بالطبع يستطيعُ. إذا وثِقنا بهِ ومَشَينا معَهُ، سيحفَظُنا من السُّقُوط.

لقد أظهَرَ لنا يسُوعُ بالطريقَةِ التي واجَهَ بها تجارِبَهُ، كيفَ ينبَغي علينا أن نُواجِهَ تجارِبَ إبليس اليوم. الشيطانُ لا يتعَب ولا يَكِلُّ مُحاوِلاً أن يقُولَ لكُلِّ واحدٍ منَّا: "ضَعْ الحاجات المادِّيَّة أوَّلاً والرُّوحِيَّة ثانِيَاً. ضَع أيَّ شيءٍ أوَّلاً في حَياتِكَ قبلَ الله."

إنَّ العدُوَّ الأكبَر للأحسَن غالِباً ما يكُونُ الحَسَن. بِهذهِ الطريقة يُجرِّدُنا الشيطانُ من الأحسَن الذي يُعدِّهُ اللهُ لنا. فهُوَ يُجرِّبُنا بأن نعمَلَ الحَسن لكَي نكتَفِيَ ونُقصِّرَ عن الأحسَن الذي يُريدُهُ الله لنا. ولأنَّ اللهَ يُحبُّنا، ويعرِفُ أنَّنا متى نضعُهُ أوَّلاً سيُعطينا أحسن ما عِندَهُ، لِهذا فهُوَ يُريدُنا أن نضعَهُ أولاً وأن نهزِمَ تجارِبَ الشيطان.

تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين


لو قدّمَ لك ملكٌ عظيم دعوة لتناول العشاء معه، في قصره، بين الشرفاء والنبلاء، فلا شك أنك تلبّي الدعوة بكل سرور وابتهاج، واعداً نفسك برؤية جلال الملك ورجاله وحرّاسه وخدّامه، وجمال قصره وحدائقه وأمجاده، وسخاء مائدته التي يضيع فيها بصرُك من كثرة المآكل الشهّية والفاخرة. ربّما تسأل نفسك : "من أنا حتى يدعوني الملك الى عشائه العظيم؟" لكن سرعان ما تغتبط فرحاً بهذه الدعوة، فتبدأ تُعدّ نفسك لذلك اللقاء العظيم والعشاء الكريم. فتصبح هذه الدعوة شغلك الشاغل ولَهْجَ فكرك وأحاديثك بين الاقرباء والاصدقاء: "فالملك العظيم دعاني لتناول العشاء معه."

لو دعاك قائد محترم الى حضور احتفال كبير بمناسبة انتصاره وتثبيت سلطته، فإنك بدون تردّد تحضر هذا الاحتفال، خصوصاً وأنّ هذا القائد قد أكرمك بدعوته لك شخصياً. وإنك بتلبيتك لهذه الدعوة الكريمة، لا بدّ ان تحظى برضى هذا القائد وحمايته ووساطته في أي مجال أو حاجة عندك.

لو استلمتَ دعوة لحضور حفلة زفاف ابن الملك العظيم أو بنت القائد المحترم، أمَا كنت تحضّر نفسك وتعدّ الايام الى ذلك العرس المجيد؟ أما كنت تلغي كل مواعيدك لئلا يفوتك هذا الحدث المهم وهذه الدعوة الفريدة؟ ربما لم تتلقَ دعوات كهذه بعد؛ او تلقّيتها في يوم ما، من اشخاصٍ محترمين، وقد لبّيتها وكنتَ سعيداً جداً، بل ربّما ما زالت ذكرى ذلك اليوم في فكرك، وتحتفظ بصُوَر لك مع ذلك العظيم والمحترم. في اي حال، إنّ لك دعوة الى العشاء مع ملك الملوك وقائد القوّاد. إنها دعوة شخصية لك، سواء كنت فقيراً أو غنياً، متعلّما أو أميّاً، شاباً أو شيخاً، رجلاً أو امرأة. وهذه الدعوة العظيمة ستضمّ أعظم الابطال والمشاهير في نظر الله، الذين كانوا في العالم ولم يكونوا من العالم. انها دعوة لا لعشاء مادي وقتي ينتهي ولا يبقى منه إلاّ الذكرى أو الصوَر، بل لعشاء ابدي دائم مِلْؤُه السعادة والفرح والشبَع الروحي. مائدة هذا العشاء لها أوّل وليس لها آخِر، تبدأ عند تلبيتك لهذه الدعوة، ولن تكون لها نهاية. يسوع يناديك

ما مِن انسانٍ عاقل يرفض أو يهمل هذه الدعوة، فصاحبُها هو عظيم العظماء، إنه السيد المسيح الذي جاء الى العالم يدعو البشر الى تسليم حياتهم لله بالتمام، والى إقامة العلاقة الروحية الأبدية معه تعالى. لقد جاء الى العالم رحمةً من الله لخلاص البشر من العذاب والهلاك الأبدي، لينقلهم الى سماء النعيم والى عشاء الله العظيم الذي أعدّه لكل مَن يؤمن به. بينما تسير زمان حياتك على هذه الارض الفانية، وتحاول ان تملأ فراغَك بأمور الدنيا، تحتاجُ الى الشبع الروحي والنفسي الذي تفتقر إليه، إلى الفرح الحقيقي والسلام ورضى الله عليك، والى خلاص الله الذي أعدّه لك في فداء المسيح، الذي مات لأجلك حاملاً ذنوبك، وقام ليمنَحك البّر والطهارة، منتصراً على الموت إذ لم يكن ممكناً أن يمسك به.

لقد قال يسوع: "هانذا واقف على الباب (باب قلبك) وأقرع، إن سمع أحدٌ صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشّى معه وهو معي." (رؤيا 20:3) انه يدعوك ويقول: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الاحمال وأنا اريحكم" (متى28:11) فهل تلبّي دعوته الآن قبل فوات الاوان ؟ لاتؤجّل !

الفداء وغفران الخطايا


الذي فيه لنا الفداء بدمه غـفـران الخطايا ، حسب غنى نعمته (اف7:1)


نقرأ في سفر التكوين 21:3 ان الرب الإله صنع لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما، في هذا العدد نرى أول لمحة عن الدم، إذ أن الله كسى آدم وحواء بجلد حيوانات قد سُفكت دماؤها. إنها تُظهر لنا كيف ان حيواناً بريئاً قد سُفك دمه من أجل مذنب أثيم. وما هذا إلا رمز للذبيحة العظمى موت المسيح الكفاري على الصليب.

ولربما خاطب آدم امرأته قائلاً: "حسناً، إن كان الله قد طردنا من الجنة فعلامة حبه لنا أنه ألبسنا هذا الثوب الكفاري الجميل" ، إن الله قبل أن يطرد أبوينا الأولين من الجنة وضع أمامهما هذا الوعد المبارك بأن نسل المرأة _ أي المسيح - يسحق رأس الحية - اي الشيطان.

إن قلبي يمتلئ سروراً حين أفكر فيما عمله الله مع ابوينا الأولين قبل طردهما من الجنة، إذ انه كفَّر عن الخطية. لقد تعامل معهما بالنعمة قبلما يُصدر حكم الدينونة . ولو كان الله قد سمح لآدم وحواء أن يعيشا الى الأبد بعد السقوط لكانت نكبة عظمى . فمن رحمة الله أنه طردهما من الجنة لكي لا يعيشا الى الأبد في هذه الحالة الرهيبة. لقد وضع الرب الكروبيم بسيفه الملتهب على باب الجنة. لكن المسيح له المجد تقدم نحو هذا السيف الملتهب واحتمل القصاص الإلهي وفتح باب السماء امام الجميع. كان من الممكن أن يبقى آدم في الجنة عشرة آلاف سنة وبعدها يكون معرَّضاً لأن يُجرب من الشيطان ويسقط، لكن المؤمنين الآن يشعرون بالأمان لأن حياتهم مستترة بالمسيح. والمؤمن مُحصًّن في المسيح- الذي هو آدم الثاني-أعظم من آدم الأول وهو داخل الجنة.

طريق الإنسان وطريق الله

لنتأمل في سفر التكوين 4:4 "وقدم هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن الى قايين وقربانه لم ينظر". أمامنا الآن ولدان ، وُلدا من أب واحد هو آدم، خارج الجنة، في ظروف واحدة، وتحت تأثيرات متشابهة، ولا يوجد فرق بينهما إلا في نوع القربان الذي قدماه. لقد قدم هابيل الدم فقُبل، لكن قايين قدم قربانه من أثمار الأرض حسب استحسانه الشخصي فرُفض.

لقد وضح الرب طريق الاقتراب اليه عقب سقوط ابوينا الاولين مباشرة . فسار هابيل في الطريق الإلهي ، اما قايين فسلك في طريقه الخاص. ربما تندهش لماذا رفض الله تقدمة قايين وقبل قربان هابيل ، رغم ان قايين اراد ان يقترب الى الله ويكرمه!. إن هابيل اتخذ طريق الله للاقتراب اليه، لكن قايين سلك حسب استحسانه البشري. ربما قال قايين في نفسه: "ما أرهب منظر الدم، ولماذا لا اقدم من ثمار الارض؟" واخذ من ثمار الارض التي لعنها الله وقدمها قرباناً . ربما قال أنا لا أميل الى التسليم بأن الطريق الوحيد للاقتراب الى الله هو الدم، فلا أؤمن بهذه المعتقدات. ان منظر ثمار الارض يبدو جميلاً عن منظر الدم".

في هذه الايام يوجد الكثيرون من أتباع قايين. إنهم يريدون الوصول الى السماء بطرقهم الخاصة. إنهم يأتون باعمالهم الطيبة وحسناتهم ويقدمونها لله، يؤمنون بما يبدو جميلاً في نظرهم، لكنهم لا يريدون أن يقتربوا الى الله عن طريق الدم الكفاري، ولكن يوجد البعض الذين سلكوا في طريق هابيل واقتربوا الى الله عن طريق الدم .

في حادث آخر جاء في سفر التكوين 20:8 "بنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح". لقد سلك نوح في طريق الدم الكفاري. وهكذا سلك شعب الله .

إقرأ ايضاً تكوين 13:22 " فرفع ابراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب ابراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه" لقد احب الله ابراهيم كثيراً لدرجة انه فدى ابنه اسحق من الموت، لكن الله أحب العالم كثيراً جداً جداً لدرجة أنه بذل ابنه الوحيد لخلاصنا اجمعين. يقول الكتاب ان إبراهيم رأى يوم المسيح وتهلل، ونحن لا نعلم متى حدث هذا، لكن يبدو أن الرب قد كشف لإبراهيم في هذا الحادث أن المسيح سوف يموت عن البشر ويحمل خطايا الجميع. تأمل في هذا المشهد . بنى ابراهيم المذبح حسب امر الله . حين امره الرب ان يأخذ ابنه الوحيد الذي يحبه ويقدمه محرقة. وربط ابراهيم ابنه. وأعدَّ كل شيء. والآن هو يأخذ السكين ويرفعها ليهوي بها على رقبة إسحق. إنه لا يعلم معنى هذا. لكنه أمر الرب ، وينبغي ان يطيعه. ليت لنا الآن طاعة إبراهيم حتى نتمم امر الرب دون سؤال أو اعتراض. إني أتصور ان إبراهيم قد احتضن ابنه وقبله وبكى كثيراً. وأتصوره وهو يخبر ابنه عن السر الذي أخفاه عنه. يا له من مشهد رهيب!. لا شك ان ابراهيم قد صارع كثيراً بينه وبين نفسه. الآن قد رفع إبراهيم السكين فوق عنق ابنه إسحق. وفجأة يسمع هذا الصوت يجلجل من السماء: إبراهيم إبراهيم. فقال هأنذا، لا تمد يدك الى الغلام ولا تفعل به شيئاً" . آه ، لم يكن هناك مثل هذا الأمر عند رابية الجلجثة لينقذ المسيح من موت الصليب، لقد مات البار من أجل الأشرار. لأن الله عادل وغير متساهل، وهو محب ورحوم ايضاً، ففي صليب المسيح اخذ عدل الله مجراه، وظهرت محبة الله للبشر، لأن الرب يسوع احتمل طوعاً كل القصاص المتجوب علينا من جراء خطايانا ليسامح كل من يؤمن به، فلا قصاص ولا دينونة على من يقبل فداء المسيح .

لنتأمل ايضاً فيما جاء في عب 19:10 "فإذ لنا ايها الإخوة ثقة بالدخول الى الأقداس بدم يسوع، طريقاً كرسه لنا حديثاً حياُ بالحجاب اي جسده" . كان رئيس الكهنة في العهد القديم يتشفع في الشعب. كان يدخل الى قدس الأقداس في بيت الله مرة واحدة في السنة حاملاً دم الذبائح . لكن الآن المسيح صار هو بنفسه يشفع بنا امام الله لأنه قد فتح لنا طريقاً حديثاً حياً. حين صرخ على الصليب "قد أُكمل" تمزق حجاب الهيكل، والآن لا يوجد حجاب بين الله والإنسان ولم نعد بحاجة الى احد غير يسوع ليشفع فينا. أن المسيح مات، لكنه قام وهو حيٌّ الآن. إن الإنسان الخاطئ حالما يخلص من خطاياه ويتطهر بدم الميسح يصبح بنظر الله ملكاً وكاهناً. إن الله يدعوه "ابني" إنه يصبح وارثاً للأمجاد السماوية. كأنه لم يخطئ من قبل لأنه افتدي بالدم، وتصالح مع الله بالدم، وتمتع بالقداسة بالدم ونال النصرة على الخطية والشيطان بواسطة الدم. حسبما جاء في 1يو7:1 "دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كـــــــــــل خطية"إقرأ معي هذه الآية الرهيبة التي جاءت في عب. 28:10 " من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين او ثلاثة شهود يموت بدون رأفة، فكم عقاباً أشر تظنون أنه يُحسب مستحقاً من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قُدس به دنساً وازدرى بروح النعمة ؟! مخيف هو الوقوع في يديّ الله الحي" . لقد كان الشخص الذي يكسر ناموس موسى في العهد القديم يُرجم بالحجارة حتى الموت. عزيزي الخاطئ ، ماذا انت فاعل بدم المسيح ؟ . إنه شيء رهيب جداً أن تستهين بدم المسيح ولا تؤمن بكفارة المسيح . إن قلبي يهتز من الرهبة عندما أجد الناس يدوسون دم المسيح. إن الشيء الوحيد الذي تركه المسيح على الأرض هو دمه. لقد صعد المسيح بالجسد الممجد ، لكنه ترك لنا هذا الدم الكفاري ، فهل ندوس عليه بعدم قبولنا غفران الله المقدم مجاناً .

لحياتك سلطان يدمر خطط العدو


لحياتك سلطان يدمر خطط العدوالرب أحبك حباً عجيباً
لقد تعجب داود من محبة الرب العجيبة له ورعايته واهتمامه به، وعبر عنها في كلمات هذا المزمور الشهير قائلاً "عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها.. لأنك أنت أقتنيتكليتي. نسجتني في بطن أمي.. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً. لم تختف عنك عظامي يوم صنعت في الخفاء ورقمت في أعماق الأرض. رأت عيناك أعضائي وفي سفرك كلها كتبت يوم تصورت إذ لم يكن واحد منها. ما أكرم أفكارك يا الله عندي ما أكثر جملتها." (مز139: 6، 13-17). فهل، عزيزي القارئ، لمست كل هذه المحبة الإلهية قلبك أنت أيضاً وأدركت هذا الاهتمام الذي من الرب لك؟ وهل تشعر في أعماقك أنك شخص ثمين، غالٍ، محبوب ولك قيمة عظيمة في عيني الرب؟
يا لفيض هذا الحب العظيم إذ أحبني وأحبك حتى قبل أن نوجد! فأنت صناعة يده الماهرة. لقد نسج كل خلية في جسدك، رقم كل عظامك، رأى كل أعضائك بل عرفك باسمك وأعد خطة عظيمة لحياتك. إن الرب يراك شخصاً ثميناً، وله أفكار وخطط ثمينة جداً لحياتك.
فمَنْ هو الذي يشوه حياتك؟
أحبائي، الرب لا يخلق أو يصنع شيئاً خرباً، باطلاً أو بلا نفع، لهذا يقول "لم يخلقها باطلاً (حرفياُ خربة).." (إش45: 18). ولكن في قصة الخليقة يقول "وكانت الأرض خربة وخالية.." (تك1: 2)، فكيف يتفق هذا مع الرب الخالق المبدع؟! بالطبع لم يخلقها الرب خربة، وتوضح اللغات الأصلية هذا المعنى. فالترجمة الأدق تعني "وصارت الأرض خربة".. فكيف صارت خربة؟ لقد خلق الرب كل شيء رائع، صالح وحسن، ولكن إبليس هو الذي يعمل محاولاً تشويه عمل الله والخطة الإلهية، وهو الذي أفسد الأرض وخرَّبها عندما سقط من السماء.
عزيزي القارئ، بنفس الطريقة يحاول إبليس دائماً أن يفسد ويخرِّب الصورة والخطة الإلهية العظيمة المخصصة لك من الرب حتى قبل أن توجد. فللأسف، كثيراً ما يشوه إبليس هذا الحب الإلهي العظيم ويخدع الأذهان بأفكار كاذبة مثل الشعور بعدم القيمة.. والتوهان.. والحياة بلا هدف.
أريدك أن تدرك أن أي تشوه في حياتك، أو شخصيتك أو إرادتك ليس من عمل الرب بل هو عمل العدو إبليس. فالله خلق اَدم شخص رائع وعظيم، وقد أعطاه كل الامتيازات، ولكن ها هي الحية تدخل بمكرها لحياة اَدم وحواء لتفسد خطة الله، لتفسد العلاقة والتمتع الذي كان يحيا فيه اَدم مع الرب، فيفقد كل شيء ويصبح شخصاً خجلاً، خائفاً يتوارى من وجه الرب.
اعلن إيمانك
فالآن اعلن إيمانك أن يسوع أتى لينقض أعمال إبليس، ويعيد بناء ما هدمه وخربه العدو في حياتك "هادموك ومخربوك منك يخرجون.." (إش49: 17). لا تقبل أن يحطم إبليس حياتك، إمكانياتك وطاقاتك.. أنت شخص مدعو لحياة عظيمة في المسيح يسوع.

هل تشعر عزيزي القارئ أنك ضعيف أم قوي؟ هل تحيا منحنياً ومستسلماً لمقاومة إبليس لك أم عندك قوة لتسحق تلك المقاومة وتعبر من فوقها منتصراً بإلهك الحي؟ اسمع ما يقوله الروح القدس لك "لا تخف لأني معك. لا تتلفت لأني إلهك.. إنه سيخزى ويخجل جميع المغتاظين عليك. يكون كلا شيء مخاصموك ويبيدون. تفتش على منازعيك ولا تجدهم. يكون محاربوك كلا شيء وكالعدم... لا تخف يا دودة يعقوب.. أنا أعينك يقول الرب.. هأنذا قد جعلتك نورجاً محدداً ذا أسنان. تدرس الجبال وتسحقها" (إش41: 10-15). لهذا هيا اعلن إيمانك أنك لن تعيش كدودة ضعيفة بل ستكون بالرب نورجاً قوياً تهزم مقاومة العدو وكل جبال يعوق بها العدو حياتك.
لقد غضب يسوع يوماً غضباً مقدساً (مر11: 15-17) وطرد كل باعة الحمام وقلب موائد الصيارفة لأن العدو كان يريد أن يخرب مقاصد الله من جهة الهيكل (بيت صلاة) ويلوثه بباعة حمام. لذا أرفض أنت أيضاً بإصرار كل محاولة من إبليس يريد أن يشوه بها حياتك. اغضب على العدو وأعلن أنك ستعيش في مشيئة الرب الناجحة القوية. لا تخف حتى وإن كنت تشعر أنك ضعيفاً مثل دودة، لإنك بالرب ستكون نورجاً محدداً جديداً تدرس الجبال وتدمر كل خطط شيطانية وستنتصر بالإيمان.
كن يقظاً
كثيراً ما تعرض رجال الله في الكتاب المقدس بعهديه لمعارك ومواجهات عنيفة مع إبليس لتعطيل خطط الله لهم. ولكن منهم مَنْ كان صاحياً ويقظاً مترقباً لخطط إبليس، مدركاً ومتمسكاً بوعود الله الثمينة للانتصار، فكان كالنورج الذي يحطم جبال العدو، ومنهم من استسلم للخداع فكان منشغلاً تائهاً بعيداً عن مشيئة الله، وكان كدودة ضعيفة أمام قوى الشيطان.
عزيزي القارئ، لنتأمل معاً كمثال في قصة خروج شعب الله من أرض بمصر واستخدام موسى في هذه الدعوة العظيمة، وسترى بوضوح كل محاولات العدو لإيذائه وتعطيل دعوته، ولكن سنرى أيضاً كيف صنع الرب منه نورجاً قوياً.
يقول الكتاب "وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيراً جداً وامتلأت الأرض منهم.. ثم قام ملك جديد على مصر.. فقال لشعبه هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا. هلم نحتال لهم لئلا ينموا.. فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقال.." (خر1: 7-11). نعم، ليفتح الرب ذهنك لتفهم أن فرعون ملك مصر هو الذي خاف من نمو شعب الله لذا دبر الخطط الشيطانية، الضغوط والأثقال لتعطيل نمو الشعب. لذا إن كان هناك إعاقات على نمو حياتك وإطلاق خطة الله لك، لا تستسلم بل أصرخ للرب لينقذك، وواجه بإيمان كل نشاط شيطاني ضدك.
أين موسى؟
كان للرب خطة خاصة وعظيمة جداً لحياة موسى، فالرب قد دعاه دعوة عظيمة وهي تحرير شعب الله من عبودية إبليس، ولهذا كانت محاولات العدو ومخططاته دائمة لإيذائه وتعطيل خطة الله في حياته. ومن يوم مولده تعرض موسى للمضايقات وخطط العدو لتدمير وتشويه حياته. فأمر فرعون بقتل كل الأولاد الذكور يوم مولدهم (خر1: 15-22 ؛ 2: 1-10) لكي يقتل موسى، ولكن الرب حفظه حتى كبر وبدأ يخرج لينظر في أثقال شعبه وإخوته. وهناك كان العدو قد دبر له فخاً جديداً "حدث في تلك الأيام لما كبر موسى أنه خرج إلى إخوته لينظر في أثقالهم. فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من إخوته.. فقتل المصري وطمره في الرمل. ثم خرج في اليوم الثاني وإذا رجلان عبرانيان يتخاصمان. فقال للمذنب لماذا تضرب صاحبك. فقال مَنْ جعلك رئيساً وقاضياً علينا. أمفتكر أنت بقتلي كما قتلت المصري. فخاف موسى.. فهرب موسى من وجه فرعون وسكن في أرض مديان" (خر2: 11-15).لقد قتل موسى رجلاً مصرياً، كما تعرض للشعور بالرفض من شعبه وإخوته. وخاف موسى أن يصل خبره لفرعون إذا رآه آخرون فهرب. هرب أربعين سنة بعيداً عن مكان الدعوة وخطة الله.. وكَمْ هي سنين طويلة عاشها تائهاً خارج مشيئة الله بلا رؤية أو هدف، وصار مجرد راع غنم، وربما نسي دعوته العظيمة وتكليف الله الذي كان يملأ قلبه. ولكن كان الرب هناك ليفسد خطة العدو ويحولها لخير موسى، فتحولت البرية إلى سنين من الإعداد، ومن رعاية الغنم كان الرب يعده ليرعى شعبه.
راع غنم أم إلهاً لفرعون
"وأما موسى فكان يرعى غنم.. وظهر له ملاك الرب بلهيب نار.. فقال الرب إني قد رأيت مذلة شعبي.. سمعت صراخهم.. علمت أوجاعهم.. فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر. فقال موسى مَنْ أنا حتى أذهب إلى فرعون" (خر3: 1، 2، 6-11). بكل تأكيد، نجح إبليس أن يزرع في ذهن موسى أفكاراً سلبية غير حقيقية ليبعده تماماً خارج الخطة، ربما أقنعه أنه شخصية ضعيفة، مجرد راع غنم هارب من وجه فرعون، وربما كان يذكره دائماً بفشله القديم ورفض الشعب له. ولكن الرب أراد أن يعيد موسى إلى الدعوة ويرسله ليخلص به شعبه.. الرب يريد أن يرد له القيمة، الكرامة والخطة الإلهية التي سلبت منه أربعين سنة.
عزيزي القارئ أريدك أن تصلي ليكشف الرب لك بالروح القدس عن الصور والأفكار المشوهة التي نجح عدو الخير أن يملأ ذهنك بها عن حياتك، وأن ترفضها. يقول الكتاب "لأنه كما شعر في نفسه هكذا هو" (أم23: 7). فلا تصدق أكاذيب إبليس وتعيش بمقتضاها. لقد صدق موسى أنه راع غنم ورأى نفسه ضعيفاً وقال "مَنْ أنا حتى أذهب".
هيا، ثق في الرب حتى لو كنت مثل موسى ضعيف، لا يعرف أن يتكلم ولا يمتلك الإمكانيات ولكن، يا لعظم نعمة، محبة وقدرة إلهنا إذ تعامل مع موسى وأفكاره السلبية وخبرات الماضي وسلبياتها وحاصره حتى حرره تماماً وجدد دعوته! ثق أن الرب يريد أن يحررك أنت أيضاً من كل أفكار سلبية.
استخدم السلطان وواجه العدو
قال له الرب "إني أكون معك" (خر3: 12)، فالرب يشجع موسى أن يواجه فرعون ولكن بقوة الرب وليس بقدرة وقوة موسى الطبيعية. "فقال له الرب ما هذه في يدك. فقال عصا. فقال اطرحها إلى الأرض.. فصارت حية ثم قال الرب لموسى مد يدك وأمسك بذنبها.. فصارت عصا في يده." (خر4: 1-5).
عصا: رآها موسى بعينيه الطبيعية شيء بسيط وضعيف يستخدمها فقط ليرعى بها الغنم، ولكن الله يراها عصا السلطان والقوة التي سيستخدمها موسى ليكسر بها كل قيود إبليس. فموسى يملك الآن السلطان، فعندما سأله الرب أن يطرحها على الأرض صارت حية- وبعض الدراسات تقول أنها حية الكوبرا، وهي تلك التي كانت تكلل تاج فرعون مصر رمزاً للسلطان والمهابة- لهذا خاف منها موسى وهرب ولكن الرب قال له أن يمسكها من ذنبها، وهو أخطر جزء يمكن أن تمسكها منها. هنا أدرك موسى أنه يمتلك أيضاً السلطان المخيف لفرعون، بل ما هو أكثر من ذلك أن هذا السلطان ابتلع كل نشاط شيطاني صوب ضد موسى وشعب الله. "طرح هرون عصاه أمام فرعون وأمام عبيده فصارت ثعباناً. فدعا فرعون أيضاً الحكماء والسحرة ففعل عرافو مصر أيضاً بسحرهم كذلك. طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصي ثعابين. ولكن عصا هرون ابتلعت عصيهم." (خر7: 8-12).
لقد كان الرب يُعلِّم موسى أنه يجب أن يستخدم سلطان الله لمواجهة العدو. إن النصرة من عند الرب ولكن علينا أن نمارس إيماننا ونستخدم سلطاننا ونواجه العدو ونقاومه، تماماً مثلما تحرك داود أيضاً بالإيمان ليواجه جليات قائلاً له ".. آتي إليك باسم رب الجنود.." (1صم 17: 45). نعم لم يعد لموسى الحق أن يحيا خائفاً مستسلماً كراع غنم هارب، بل عليه أن يدرك السلطان المعطى له كرجل الله عندما قال له الرب "أنا حعلتك إلهاً لفرعون" (خر7: 1)، ليواجه خطط العدو ويطلق الشعب في الحرية ويهزم عناد فرعون وسلطانه. عليه أن يمسك بالعصا ويجري ضربات حقيقية على فرعون ومملكته حتى تنكسر تماماً كل سلطة العدو.
هل تصدق أنك أنت أيضاً إلهاً لفرعون (خر7: 1)، لذا لا تخف من أي حروب أو خداعات من العدو أو من السحر لأن الرب يعطيك السلطان لتدمر كل قوى ونشاطات السحر والعرافة. بعصا السلطان سوف تصنع ضربات متتالية على إبليسوستطرد العدو من أمامك. هيا امسك العصا لتوقف كل تخريب وإيذاء من العدو لحياتك، ولا تسمح له أن يستمر يعطل أو يدمر في شخصيتك أو دعوتك ومستقبلك. نعم أعطاك الرب السلطان لتدمر أنت خطط العدو التي تقاومك.
أمسك بالعصا أينما ذهبت
لم يستخدم موسى العصا فقط لمواجهة فرعون ويأتي عليه بضربات، بل علمه الرب أن يستخدم هذه العصا وهذا السلطان في كل مواقف وتحديات الحياة. ففي مواجهة البحر الممتلىء دعاه أن يستخدم العصا "فقال الرب لموسى ما لك تصرخ إلىَّ. قل لبني إسرائيل أن يرحلوا. وأرفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة." (خر14: 15-16).
وفي وقت العطش والجوع وفي وسط البرية أيضاً علمه الرب أن يستخدم العصا "فقال الرب لموسى "مُرْ قدام الشعب وخذ معك من شيوخ إسرائيل وعصاك التي ضربت بها النهر خذها في يدك وأذهب. ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرةفتضرب الصخرة فيخرج منها ماء ليشرب الشعب." (خر17: 5-6).
عزيزي القارئ، إن عصا موسى الملآنة بالسلطان لا تحطم فقط ذراع فرعون، بل تشق أيضاً البحر وتجعل فيه طريقاً يعبر فيه الشعب، وتفجر من الصخرة مياه تروي العطاش وسط الجفاف. قد ترى أمامك بحراً ملأناً من التحديات، المخاوف والظروف المعاندة، فأمسك بالعصا وأستخدم سلطانك في المسيح في كل أمور حياتك العملية وستنتصر في كل حروبك بالإيمان بسلطان الرب الذي لك. واسمع ما فعله موسى أيضاً في مواجهة عماليق "فقال موسى ليشوع انتخب لنا رجالاً واخرج حارب عماليق. وغداً أقف أنا على رأس التلة وعصا الله في يدي. ففعل يشوع.. وكان إذ رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذا خفض يده أن عماليق يغلب." (خر17: 8-12). نعم ارفع العصا في السماويات وستهزم كل خطط العدو.
أخيراً يا أحبائي، أريد أن تدرك أياً كنت: طفل صغير، حدث، شاب، رجل، امرأة أو مبتدئ في العلاقة مع الرب منذ فترة قليلة، أنك لا تحتاج لإمكانيات بشرية ولكن لسلطان الله. اكسر الإعاقات المعطلة للبركة في حياتك بسلطان. شق كل غيوم روحية أتت على حياتك لفترات طويلة لتنطلق في دعوة الرب وخدمته بكل قوة وفرح في المسيح يسوع. لا تطرح عصاك بل أمسك بها وأرفعها بإيمان وسلطان في السماويات لتسحق مملكة الظلمة.

صلاة
آتي إليك يا رب بكل صور مشوهة في شخصيتي سمحت لإبليس بجهلي أن ينسجها في أعماقي
كل أفكار سلبية عن نفسي، كل صغر نفس وفشل، كل خوف وخنوع ملأ كياني
وأعلن إيماني أنه كما حفظت موسى، ستحميني، تشفيني وتحررني من أثار إيذاءات العدو في حياتي
ستملأنى بالقوة وسأمسك بعصا السلطان
لن أسبى ولن أخرج خارج الدعوة، وستستخدمني لتحرير مقيدين وإطلاق أسرى أحرار
أمين

ارتباك في ديانات العالم



«وَلَكِنَّ أَسَاسَ اللهِ الرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ، إِذْ لَهُ هَذَا الْخَتْمُ. يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ. وَلْيَتَجَنَّبِ الإِثْمَ كُلُّ مَنْ يُسَمِّي اسْمَ الْمَسِيحِ.» (تيموثاوس الثانية 19:2)





حتى في أيام الرسل كان هناك ارتباك في ديانات العالم. كان اثنان يعلّمان عقيدة غريبة وهي أن قيامة المؤمنين قد انتهت. تبدو هذه الفكرة جنونية لنا. لكنها كانت جدية بما فيه الكفاية لتقلب إيمان بعض الناس. يبرز السؤال الطبيعي، «هل كان هذان الشخصان مؤمنين حقيقيين؟»


وكثيراً ما نواجه هذا السؤال في أيامنا. ها رجل دين بارز ينكر الولادة العذراوية. مدرِّس في كلية اللاهوت يعلّم أن الكتاب المقدس يحتوي أخطاء عديدة. طالب في الجامعة يدّعي أن الخلاص بالنعمة بالإيمان لكن يتمسّك بالمحافظة على يوم السبت كضرورة للخلاص. رجل أعمال يخبر عن اختبار خلاصه لكنه يبقى عضوا في كنيسة تكرّم الرموز وتعلِّم أن الخلاص بالأسرار المقدسة، ويدّعي قائدها أنه معصوم عن الخطأ في شؤون الدين والأخلاق. هل هؤلاء مؤمنون حقيقيون؟


لنكون صريحين جداً، إن هناك حالات لا يمكننا التحديد بالضبط سواء كان الشخص مؤمناً حقيقياً أو مزيفاً. بين الصحيح والخطأ، بين الأسود والأبيض. هنالك منطقة رمادية لا يمكننا الجزم فيها. الله وحده يعلم.


الشيء الوحيد الأكيد في عالم الشكوك هو أساس الله. كل ما يبنيه ثابت وراسخ. وعلى هذا الأساس نُقِشَ شيئان. الواحد يمثِّل الجانب الإلهي والآخر الإنساني. الأول إعلان والآخر وصايا.


الجانب الإلهي يعني أن الله يعلم مَن هُم خاصّته. يعلم مَن هُم الذين ينتمون له حقيقة حتى ولو كانت أعمالهم ليست دائماً كما ينبغي أن تكون. من الجهة الأخرى يعرف عن كل تظاهر ورياء من طرف الذين يُظهرون الخارج وليس حقيقتهم المخفية. ربما لا يمكننا التمييز ما بين الخراف والجداء، لكن الله يستطيع ويُفرِّق.


أمّا الناحية البشرية فهي أن كل من يدعو باِسم الرب يسوع ينبغي أن يبتعد عن الإثم. وبهذا يبرهن الشخص حقيقة اعترافه. كل من يستمرّ في الخطية يخسر مصداقيّته فيما يختص بإدعائه أنه مؤمن.


هذا هو إذاً مصدرنا، عندما يصعبْ علينا الأمر التمييز ما بين الحنطة والزوان. الرب يعرف خاصته. كل الذين يدَّعون اٌلايمان يمكنهم أن يظهروا ذلك للآخرين عن طريق انفصالهم عن الخطية.

الوصول إلى السماء

/>

لسؤال: الوصول إلى السماء – كيف أضمن مصيري الأبدي؟


الجواب: دعونا نواجه الواقع. إن يوم إنتقال أي منّا إلى الأبدية قد يأتي أسرع مما نظن. ولكي نستعد لتلك اللحظة يجب أن نعرف هذه الحقيقة – ليس الجميع ذاهبين إلى السماء. إذاً كيف يمكن أن أعرف يقيناً أنني أحد الذين سيقضون الأبدية في السماء؟ كان الرسول بطرس والرسول يوحنا يعظان بإنجيل يسوع المسيح لجمهور كبير في أورشليم منذ حوالي 2000 عام. وفي ذلك الوقت قال الرسول بطرس عبارة قوية تدوي حتى في عالمنا المتحضر اليوم: "ليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس إسم آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص" (أعمال الرسل 4: 12).

وكما كان الحال في ذلك اليوم، فإنه في عصرنا الذي يسوده الإعتقاد بأن "كل الطرق تؤدي إلى السماء" تعتبر هذه المقولة رسالة غير مناسبة. فيوجد الكثيرين الذين يؤمنون أنهم يمكن أن يصلوا إلى السماء بدون الرب يسوع. فهم يريدون وعود المجد دون أن يهتموا بالصليب، ولا بالمصلوب الذي عُلِّق عليه ومات من أجل خطايا كل الذين يؤمنون به. إن الكثيرين لا يريدون أن يقبلوا أن يسوع هو الطريق الوحيد بل ويصرون على إيجاد طريق آخر. لكن الرب يسوع نفسه حذّرنا من عدم وجود أي طريق آخر، وإن عاقبة عدم قبول هذه الحقيقة هي جهنم الأبدية. لقد قال لنا بوضوح أن: "الذي يؤمن بالإبن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالإبن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله" (يوحنا 3: 36).

قد يعترض البعض بأن تدبير الله طريق واحد فقط للسماء يعتبر ضيق أفق من جانبه. ولكن بصراحة، في ضوء تمرد الجنس البشري ورفضه لله، فإن تدبير الله لنا طريق للسماء هو منتهى سعة الأفق. فنحن مستحقون الدينونة، ولكنه بدلا من هذا يمنحنا طريقاً للنجاة بأن أرسل إبنه الوحيد ليموت من أجل خطايانا. فسواء نظرنا إلى هذا الأمر على أنه سعة أفق أو ضيق أفق، إلا أنه هو الحقيقة، وينبغي على المسيحيين المؤمنين أن يحافظوا على نقاء ووضوح الرسالة بأن الطريق الوحيد للسماء هو يسوع المسيح.

إن الكثيرين اليوم يؤمنون بإنجيل مُخفَّف، أي أنهم لا يركزون على أهمية التوبة عن الخطايا. فهم يريدون أن يؤمنوا بإله محب لا يدينهم ولا يتطلب منهم التوبة أو تغيير أسلوب الحياة. وقد يقولون أشياء مثل: "أنا أؤمن بيسوع المسيح، لكن إلهي ليس دياناً. إلهي لن يرسل أحد إلى الجحيم إطلاقاً." لكن لا يمكن أن يكون النقيضين صحيحين. فإذا قلنا أننا مؤمنين يجب أن ندرك ونعترف أن المسيح هو كما قال عن نفسه – الطريق الواحد الوحيد إلى السماء. فإن إنكار هذه الحقيقة هو إنكار للمسيح نفسه، فهو من أعلن قائلاً: "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يوحنا 14: 6).

ولكن يظل السؤال: من الذي سيدخل ملكوت الله بالفعل؟ كيف أضمن مصيري الأبدي؟ إن إجابة هذين السؤالين توجد في التمييز الواضح بين من لهم الحياة الأبدية ومن ليس لهم. "من له الإبن فله الحياة، ومن ليس له إبن الله فليست له الحياة" (يوحنا الأولى 5: 12). فالذين يؤمنون بالمسيح، وقد قبلوا تضحيته ثمناً لخطاياهم، ويتبعونه في طاعة سوف يقضون الأبدية في السماء. أما الذين يرفضونه فلن يقضوها في السماء. "الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن بإسم إبن الله الوحيد" (يوحنا 3: 18).

بقدر روعة السماء للذين إختاروا المسيح مخلصاً لهم، بقدر فظاعة الجحيم للذين يرفضونه. لو كنا نفهم ما الذي ستفعله قداسة الله وبره للذين رفضوا تدبيره الكامل لغفران الخطايا في إبنه الرب يسوع المسيح، لكنا نقدم الرسالة بإلحاح وإحساس بمدى أهميتها. فلا يمكننا قراءة الكتاب المقدس دون أن نرى هذا مرة تلو الأخرى. إن الكتاب المقدس واضح جداً في أنه يوجد طريق واحد للسماء وهو من خلال الرب يسوع المسيح. لقد أعطانا الرب يسوع هذا التحذير: "ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه! ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه!" (متى 7: 13-14).

هناك طريق واحد فقط يؤدي إلى السماء، والذين يتبعون هذا الطريق يضمنون الوصول إلى هناك. ولكن ليس الجميع يتبعونه. فهل أنت تتبعه؟

تأملات في انجيل يوحنا

الطريق والحق والحياة




الطريق والحق والحياة



الإنجيل حسب يوحنا 14
يحيق بنا الخوف من كل حدب وصوب. نحن محاطون بمخاطر عديدة لم يعرفها الآباء والأجداد. هناك مثلاً خطر الأسلحة النووية التي باستطاعتها تدمير الأرض بأسرها وجعل الحياة مستحيلة على أرضنا المتصاغرة. وهناك أمراض جنسية تفتك بالمصابين بها وكأنها الطاعون، لا دواء لها ولا شفاء منها. وها إن الجوع يقضي على العديد من الأطفال والكبار في مختلف أنحاء العالم. زد على ذلك أننا صرنا ملمِّين بمشاكل دنيانا بصورة آنية، نظراً لوجود وسائل الإعلام الحديثة. لقد صارت عقولنا مكتظة بالأنباء المزعجة عن طائرات سقطت بركابها فماتوا في لحظة موتاً مريعاً أو عن سفن غرقت بركابها بعد الاصطدام بسفن أخرى. ما أكثر الأمور التي تجلب على جونا الحياتي الخوف والرعب والهلع!
إلى من نلتجئ وإلى أين نذهب هاربين من الخوف؟ أهناك من يساعدنا على التغلب على هذه الحالة النفسية المزعجة؟ أين الدواء الشافي لهذا المرض المزمن؟ إن ذهبنا إلى بني البشر وإلى آرائهم وفلسفاتهم لن نجد الحل لمشكلتنا. نحن بحاجة إلى قوة فوق بشرية للتغلب على الخوف. عنينا اللجوء إلى الله بارينا والمعتني بنا والذي لم يبق صامتاً منذ أن خلقنا. فلقد تكلم الباري مع بني البشر بواسطة أنبيائه ورسله القديسين وأخبرنا عن حالتنا التعيسة التي وصلنا إليها بسبب ثورة آدم وحواء في فجر التاريخ. ولم يكتف الله بإعلامنا عن سقوطنا في المعصية بل وهبنا النبأ السار عن إرسال منقذ جبار لإنقاذنا من وهدة الشر واستعمار الشيطان.
وفي الوقت المعيَّن جاء المخلص المسيح وعاش على أرضنا لمدة ثلاث وثلاثين سنة. وفي آخر أيام حياته خانه أحد تلاميذه المدعو بيهوذا الاسخريوطي. وقبل أن يلقى القبض على السيد المسيح، أعطى تلاميذه تعليمات هامة حفظها لنا الرسول يوحنا في الفصل الرابع عشر من الإنجيل:
لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي أيضاً. شعر التلاميذ بأن الليلة الحاسمة في حياة سيدهم قد أتت وأن المخاطر العديدة كانت تحدق بهم. ها إن زعماء الدين في القدس يتآمرون على التخلص من المسيح وتسليمه إلى أيدي الرومان المستعمرين وكأنه كان يحبذ رفع راية الثورة على إمبراطوريتهم. أخذ التلاميذ يرتعبون من وطأة كل هذه الأمور فناشدهم سيدهم قائلاً لهم: لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي. فمهما اشتدت مقاومة أعداء المسيح ومهما كثرت مؤامراتهم عليه وعلى تلاميذه الأوفياء، يبقى الله المسيطر والمهيمن على جميع مقدرات التاريخ.
وعندما يخاف المؤمنون والمؤمنات يظهرون موقفاً لا منطقياً لأنهم يظنون بأن زمام الأمور قد أفلت من أيدي القدير وكأن قوى الظلام والشر ستنتصر عليهم. هكذا تفكير هو خاطئ من أصله. علينا أن نتسلح بالإيمان بالله وبمسيحه وإذ ذاك لا نعود نسمح لقلوبنا بأن تضطرب أو تخاف من الفشل والانكسار. ولم يكتف المسيح بمناشدة التلاميذ بألا يسمحوا لقلوبهم بأن  تضطرب بل أعطاهم رؤية شاملة للحياة المعاشة في ظل الحق الإلهي.
فإن أخذنا الوجود على الأرض وكأنه الكل في الكل وإن انحصر أفق حياتنا بما نقف عليه اتكالاً على حواسنا الخمسة، نكون قد حكمنا على أنفسنا بالفشل الذريع. علينا أن نتسلح بوجهة نظر شاملة وكاملة ومبنية على الحقيقة بأسرها. حياتنا على الأرض هامة ولكنها ليست الكل، لأننا خلقنا لأبدية سعيدة في حضرة الله ونعيمه. على هذا الأساس تابع المسيح كلامه قائلاً:
في بيت أبي منازل كثيرة وإلا لكنت قد قلت لكم. فإني أمضي لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إلي لتكونوا أنتم أيضاً حيث أكون أنا. وأنتم تعرفون الطريق إلى حيث أذهب. قال له توما: يا سيد، إننا لا نعرف أين تذهب فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟ قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة، لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي. لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه.   
عندما أظهر توما جهله لموضوع كيفية الوصول إلى نعيم الله، قال له يسوع المسيح: أنا هو الطريق والحق والحياة، لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي. هل لاحظت أيها القارئ العزيز كلمات المسيح هذه؟ ليست الحياة الدنيا الكل في الكل، والوصول إلى نعيم الله يتم بواسطة المسيح الذي هو الطريق إلى الحضرة الإلهية والحق المتجسد الذي يهب الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.
كان فيلبس التلميذ قد عاش مع المسيح ثلاث سنين وسمعه يعلم الجموع ويشفي المرضى ويقيم الموتى. ولكنه لم يفهم أن الله كان قد كشف عن ذاته في المسيح الذي هو كلمة الله. ولذلك قال: يا سيد، أرنا الآب وكفانا. فقال له يسوع: أن معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني يا فيلبس؟ من رآني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟ ألا تؤمن أني في الآب وأن الآب فيَّ؟ الكلام الذي أكلمكم به لا أتكلم به من نفسي ولكن الآب الحالّ فيَّ هو يعمل أعماله؟ صدقوني أني أنا في الآب والآب فيَّ، وإلا فصدقوني من أجل الأعمال نفسها.
يا لها من كلمات رائعة! رغبة فيلبس بأن يكشف الله عن ذاته في وحي خاص كانت في محلها ولكن خطأه كمن في أنه لم ير ذلك الوحي في المسيح يسوع، كلمة الله المتجسد. من رآني فقد رأى الآب. لقد سرَّ الله بأن يكشف عن ذاته في المسيح المخلص. من رفض الإيمان بهذه الحقيقة العظمى يكون قد حرم نفسه من أعظم هبة إلهية. وإن صعب على فيلبس أو أي إنسان آخر قبول كلمات المسيح هذه فلينظر إلى أعمال المسيح الباهرة والتي شهدت للملأ بأنه جاء من الله للقيام بمهمة فريدة ألا وهي إنقاذ البشرية من وهدة الشر والهلاك.
ونظراً لأهمية العمل الذي كان المسيح سيسنده إلى تلاميذه الأوفياء بعد تتميمه لرسالته الخلاصية، لفت أنظارهم إلى المستقبل الباهر الذي كان ينتظرهم وهم ينشرون الأنباء السارة في مختلف بقاع العالم المتوسطي.
الحق الحق أقول لكم: إن من يؤمن بي فإن الأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها، لأني ماض إلى الآب. ومهما سألتم باسمي فإني أفعله لكي يتمجد الآب في الابن. وإن سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله.
ومع صراحة كلمات المسيح ظن التلاميذ أن ذهابه عنهم من الناحية الجسدية كان سيترك فراغاً روحياً هائلاً. ولذلك كشف لهم السيد عن موضوع إرسال الله الآب للروح القدس ليمكث معهم وسائر المؤمنين والمؤمنات عبر العصور المتتالية ليقودهم في طريق الحق والحياة:
إن كنتم تحبونني فإنكم تحفظون وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليكون معكم إلى الأبد, روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه يمكث معكم ويكون فيكم.
وتابع المسيح يسوع كلامه عن الروح القدس وعمله المنعش في جسد جماعة الإيمان قائلاً:
كلمتكم بهذه الأشياء وأنا مقيم معكم. وأما المعزي، الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء. ويذكركم بجميع ما قلته لكم. السلام أستودعكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترتعب. قد سمعتم أني قلت لكم: أنا ذاهب ثم آتي إليكم. لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني ذاهب إلى الآب، فإن الآب أعظم مني وقد أخبرتكم  الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون. لا أكلمكم بعد كثيراً فإن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء. إنما هذه ليعلم العالم أني أحب الآب وأني أعمل كما أوصاني الآب. قوموا ننطلق من ههنا.
صعب على تلاميذ المسيح أن يتصوروا حياة بدون حضوره فغمرتهم موجة هائلة من الغم. لكن السيد له المجد لفت أنظارهم إلى أنه لم يكن سيتركهم يتامى بل كان الروح القدس سيحل على جماعة الإيمان فيضحي المسيح حاضراً مع المؤمنين والمؤمنات. وبينما انحصرت مناداة المسيح بالإنجيل في تخوم الأرض المقدسة كان تلاميذه الأوفياء، بعد حلول الروح القدس عليهم، سيندفعون برسالة الإنجيل الخلاصية إلى سائر العالم داعين الناس أجمعين  للتوبة والإيمان بمن جاء من الله لإنقاذ البشرية من الخطية والدمار.
وبغض النظر عن ضعف رسل المسيح وقلة شأنهم بالسبة إلى بطش وجبروت الإمبراطورية الرومانية التي كانت مسيطرة على العالم القديم انتصرت رسالة الإنجيل التحريرية لأن الروح القدس كان يعمل بقوة على إنقاذ الناس من عبوديتهم للأصنام جاعلاً منهم مؤمنين بالله وبمسيحه المخلَّص.
ولم يقتصر انتشار الإنجيل على تلك العصور القديمة بل لا يزال الخبر المفرح يمتد في كل إقليم وبلد. والمنادون بكلمة الإنجيل لا يتكلون على حكمتهم أو بلاغتهم بل على الروح القدس، الرب المحيي الذي أوحى بالكتاب المقدس والذي ينير عقول وأفئدة الناس ليقبلوا إنجيل خلاصهم. فالمسيح يسوع لا يزال هو الطريق والحق والحياة، ولا يأتي أحد إلى الآب ولن ينعم أحد بالنعيم إلا بواسطة المسيح، آمين.

المضطهدون



المضطهدون



الإنجيل حسب يوحنا 15: 18،  16: 4
اقتبست في الفصل السابق من قول أحد المفكرين المعاصرين بأن القرن العشرين يعد من أقسى القرون التي عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ. ويعود هذا التقييم السلبي إلى كثرة الاضطهادات التي لحقت ببني البشر في قرننا هذا وفي مختلف أنحاء العالم. لا يزال العديدين من معاصرينا يقعون فريسة للتعسف واللاإنسانية بدون أن يعلموا السبب الذي جعلهم عرضة للاضطهاد!
لماذا يضطهد البعض من بني البشر أناساً آخرين ويحرمونهم من حقوقهم الشرعية؟ كيف نفسر الأمور المحزنة التي عصفت بالناس في عصرنا الذي سمي بعصر النور والتقدم؟ ما هو الدافع القوي الذي يجعل البعض ينكلون بالآخرين ويعاملونهم وكأنهم ليسوا من أفراد البشرية؟
وإذا نسترسل في طرح هكذا أسئلة نلاحظ أن السيد المسيح، وهو مرسل الله الذي جاء لفدائنا من الشر العالق بنا ومن الخطية المسيطرة علينا، اضطُّهِد في جميع أيام حياته والتي انتهت بموته المريع على الصليب. وقد علَّم المسيح تلاميذه قائلاً:
إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم. لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم، فلذلك يبغضكم العالم. اذكروا الكلمة التي قلتها لكم: أن ليس عبد أعظم من سيده. فإن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أيضاً. وإن كانوا قد حفظوا كلامي فسيحفظون كلامكم أيضاً.  
لكلمة عالم الواردة في الكتاب المقدس عدة معان. تعني أحياناً الكون أو الأرض أي وجه البسيطة التي يعيش عليها بنو آدم. وأحياناً تشير هذه الكلمة إلى المخلوقات العاقلة أي إلى بني البشر بغض النظر عن حالتهم الروحية أو الأخلاقية. وأحياناً أخرى تكون كلمة عالم مرادفة لقوى الشر المنظمة والمعارضة لله ولمسيحه ولملكوته. وعندما قال المسيح: إن كان العالم يبغضكم كان يشير إلى تلك القوى المنظمة والمعارضة له وللمهمة الفدائية التي أسندها إليه الله الآب. أبغض العالم المسيح وعمله الخلاصي والفدائي ولذلك كان العالم سيبغض تلاميذه الذين كانوا سينادون به. كل من سار على طريق المخلص يضطهد! وقد تحققت كلمات المسيح هذه في أيامه وبعد صعوده إلى السماء. اضطهدت السلطات الدينية في القدس جميع أتباع المسيح وقتلوا البعض منهم. وتعاظم اضطهاد المؤمنين بالمسيح في سائر أنحاء البلاد المتوسطية لأن الدولة الرومانية كانت تعارض بشدة مبادئ المسيح التحريرية والخلاصية.
فمن سار على طريق المسيح لا يكون ماشياً على طريق مفروش بالورود والرياحين بل يكون قد اختار درب الصليب، طريق الآلام والعذابات والمشقات. هذا لا يعني أن ينشد المؤمن أو المؤمنة الآلام أو الاضطهادات حباً بها، فهما لا يصبحان من جبلة فوق بشرية. ولكن الإنسان الذي يكون قد سلم مقاليد حياته لربه وفاديه المسيح يعلم أن عالمنا هو تحت سيطرة قوى معارضة للمخلص ولذلك فإن مصير المؤمن لن يكون أحسن من مصير فاديه الذي انتهت حياته بالموت على خشبة الصليب!
ولئلا تخور قوى المضطهدين من أتباع المسيح، ذكَّرهم بأنه هو الذي اختارهم من العالم الساقط في حمأة الشر وأعطاهم الصلاحية ليكونوا من أتباعه. ويعود اضطهاد الناس للمسيح وللمؤمنين به إلى تغلغل الخطية في سائر نواحي الحياة. فمع بشاعة هذه الاضطهادات وكونها لا منطقية إلا أنها تعمل كمرآة لنوعية وقوة الشر الكامن في جسم البشرية. وهكذا نخلص إلى القول بأن أكبر كارثة في تاريخ الإنسانية هي رفض العالم للمسيح ولرسالته الخلاصية والإنقاذية التي أتمها لصالح البشرية. وقد وصفها الرسول يوحنا في فاتحة الإنجيل قائلاً:
أما النور الحقيقي، الذي ينير كل إنسان، فكان آتياً إلى العالم. لقد كان في العالم،  والعالم به كوِّن، والعالم لم يعرفه.
والعالم لم يعرفه. لم تعن هذه الكلمات بأن العالم لم يكن قد أخبر كفاية عن مجيء المخلص المسيح. لقد سطع نور كلمة الله أي مسيح الله وسط الظلام الدامس المخيم على البشرية ولكن الناس فضلوا الظلمة على النور. واستطرد يوحنا الرسول قائلاً بوحي من الله:
إلى خاصته جاء، ومن كان خاصته لم يقبلوه. ومن هم خاصة المسيح؟ إنهم بنو إسرائيل. كانوا أبناء الذين استلموا الوحي الإلهي منذ أيام موسى كليم الله حتى أيام ملاخي، آخر أنبياء الله في أيام النظام القديم أي أيام ما قبل الميلاد. فالذين كانوا قد تتلمذوا على شريعة موسى وسمعوا كلمات الأنبياء المنادية بقدوم المسيح المنتظر، والذين كانوا قد تعلموا من الشعائر الدينية في هيكل القدس بأنه ليست هناك مغفرة للخطايا بدون سفك دم، هؤلاء الذين كانوا خاصة المسيح رفضوه! واستمر المسيح معلماً وقال:
وإنما سيفعلون بكم هذا كله من أجل اسمي لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني. لو لم آت وأكلمهم لم تكن لهم خطيئة، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيئتهم. من يبغضني، يبغض أبي أيضاً. لو لم أعمل بينهم أعمالاً لم يعملها آخر لما كانت لهم خطية. وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي. وذلك لكي تتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم: إنهم أبغضوني بلا سبب.
لقد ازدادت فداحة خطية مضطهدي المسيح لأنهم كانوا قد استلموا الوحي الإلهي المدون في أسفار التوراة والأنبياء والمزامير. ثم جاء كلمة الله من السماء وعلَّم الناس لمدة ثلاث سنين وقام بالمعجزات الباهرة من شفاء المرضى وطرد الشياطين من المسكونين منها وإقامة الموتى. علَّم المسيح بكلامه وبمعجزاته ولكن معاصريه لم يقبلوه. ولم يرفضوه فحسب بل رفضوا مرسله أي الله الآب. فانطبق موقفهم الشاذ على ما ورد في سفر المزامير:
إنهم أبغضوني بلا سبب. (المزمور 35: 19 و69: 4)
لم يكتف المسيح بالكلام عن الاضطهادات التي كان سيلاقيها أتباعه بل ذكر أيضاً موضوع مجيء الروح القدس قائلاً:
ومتى جاء المعزي الذي أرسله أنا إليكم من عند الآب، روح الحق الذي ينبثق من عند الآب، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم أنتم معي من الابتداء.
كان تلاميذ المسيح سيلاقون الاضطهاد ولكنهم لن يكونوا وحيدين في هذه الدنيا بل كان روح الله القدوس سيشهد معهم ويعلمهم بأن حياتهم تبقى تحت رحمة الله وأن مصيرهم باهر في النهاية مهما كثرت آلامهم. وعندما يحاول عدو المؤمنين اللدود أي الشيطان أن يشككهم في مصداقية قضيتهم يهبُّ الروح القدس إلى معونتهم ويشهد في قلوبهم بأنهم لن يكونوا من الفاشلين لأنهم كانوا قد سلموا مقاليد حياتهم إلى الرب يسوع المسيح. وكل من يعمل في حقل المخلص يكون قد أظهر تكاتفه وتضامنه مع برنامج الله الخلاصي لهذا العالم.
كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا. فسيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله. وسيفعلون هذا لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني. لكني كلمتكم بهذه الأشياء حتى إذا جاءت ساعتها تذكرون أني قلتها لكم. ولم اقلها من البداءة لأني كنت معكم.
كان تلاميذ المسيح سيتعرضون للاضطهادات بعد موته وقيامته وصعوده إلى السماء. ولن تكون هذه الأمور المحزنة مفاجئة لهم لأن المخلص كان قد أخبرهم عن هذا الأمر. ويمكننا النظر إلى التاريخ القديم والحديث والمعاصر ونقول: لقد تحققت كلمات المسيح في حياة العديدين من المؤمنين والمؤمنات به. لكنه يصعب علينا أن نقبلها شخصياً. فنحن لا نرغب في أن نضطهد ولا نُسر بالعذابات. وفوق ذلك لا نستطيع أن نفهم كيف يقدر الناس أن يضطهدوا أتباع المسيح ويظنوا في نفس الوقت بأنهم يخدمون الله بذلك؟ كيف يخلط البعض بين اضطهاد الآخرين وخدمة الله؟ فسَّر السيد المسيح هذا الموقف الشاذ واللامنطقي بقوله: وسيفعلون هذا لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني.
جميعنا نحتاج إلى كلمات السيد المسيح التي تفوه بها قبيل موته على الصليب. ليس سبيل المسيح بسبيل سهل ولا يجوز لنا أن نتصور بأن طريق ملكوت الله هو خالٍ من الصعوبات والمشقات. ينبعث موقف المسيح من أتباعه في شتى العصور والأقاليم من الواقعية ولذلك لم يحجم عن الكلام عن الاضطهادات التي ستلحق بالمؤمنين به. ولكنه لم يكتف بالكلام عن ذلك بل كما سنلاحظ في الفصل التالي، أشار المسيح أيضاً إلى روح الله القدوس الذي يأتي إلى معونتنا ويسير معنا في سائر أيام حياتنا معزياً ومقوياً إيانا في مسيرتنا الحياتية حتى نصل إلى ديار النعيم وننضم إلى المُخَلَّصين والمسبحين لله الآب والابن والروح القدس. لن يكون هناك مجال للشر أو الخوف أو البكاء أو الحزن لأن أعداء الله يكونون في الخارج حيث البكاء وصرير الأسنان، آمين.

روح الحق






روح الحق





الإنجيل حسب يوحنا 16: 5-33           
إذ نقترب بخطى وئيدة إلى نهاية القرن العشرين نقول بأن الإنسان قد تعلم، بعد مروره بتجارب مريرة وكوارث ذات أبعاد هائلة، أنه لا يستطيع أن يحيا بالخبز وحده. فالحياة البشرية أكثر بكثير من طعام وشراب ومأوى. للإنسان أكثر من بعد مادي، يحتاج الإنسان إلى علاقة روحية سليمة مع ربه وباريه. وهكذا نجابه هذا السؤال المصيري: ما هو السبيل إلى علاقة دينية سليمة مع ربنا وإلهنا ونحن عائشون على هذه الأرض الغارقة في المادية؟
هذه أسئلة منطقية لا بد من الإجابة عليها. فنحن إذ نقر أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. لا بد لنا من مواجهة الطرف الآخر من الحقيقة أي كيفية العيش في علاقة روحية ديناميكية مع الله. ولم يتركنا الله لنقوم بهذا البحث اتكالاً على قوانا الخاصة بل أرسل أنبياءه ورسله منذ فجر التاريخ ليدلونا على الطريق المستقيم. ثم أرسل الله المسيح المخلص إلى دنيانا بمهمة خاصة. عاش المسيح لمدة ثلاث وثلاثين سنة في الأرض المقدسة. وانهمك المسيح بتعليم الناس وقام بالمعجزات والآيات الباهرة لصالح العديدين منهم. فلم تحظ رسالته السماوية بالترحاب بل عانده زعماء الدين في القدس وتآمروا عليه للتخلص منه. ونصل في فصلنا هذا إلى التعاليم الأخيرة التي تفوه بها المسيح قبيل القبض عليه وصلبه وموته وقيامته من بين الأموات.
قال المسيح لتلاميذه الحزانى: أما الآن فإني ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني: أين تمضي؟ ولكن لأني قلت لكم هذا فقد ملأ الحزن قلوبكم. لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق، فإني إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. وأما إذا انطلقت فإني أرسله إليكم. ومتى جاء هو فإنه يبكت العالم على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة. أما على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على البر فلأني منطلق إلى الآب ولا ترونني بعد، وأما على الدينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين.
كان من الطبيعي لتلاميذ المسيح أن يحزنوا ويكتئبوا لأن سيدهم كان قد أخبرهم عن عودته إلى الله الآب مرسله. حزنوا إلى هكذا درجة حتى أنهم لم يسألوه عن تفاصيل ذهابه إلى السماء. ولم يعن ذلك أنه كان سيتركهم يتامى. كان المسيح سيرسل الروح القدس، الذي دعاه بالمعزي، ليكون مع التلاميذ ومع جماعة الإيمان إلى انقضاء الدهر. فمع أن المسيح كان سيذهب إلى السماء ليكون مع الله الآب، إلا أن حضوره مع المؤمنين به لن يكون أقل حيوية من حضوره إبان السنين الثلاث التي  أمضاها في خدمته العلنية. وكان حضور المسيح سيتم بواسطة الروح القدس الذي يحل على كل من آمن به.
ذكر المسيح أن وظيفة الروح القدس وسط عالم ساقط في الخطية هي أن يبكت الناس على تمسكهم بالمحرمات. وعندما يؤمن الإنسان بالمسيح يسوع أي بالمخلص المرسل من الله، يكون الدافع القوي لذلك الإيمان منبعثاً من الروح القدس. ويتعلم المؤمنون والمؤمنات بأن رئيس هذا العالم (أي العالم المناوئ لله) قد دين، أي أن الشيطان قد حكم عليه من الله وأن مصيره جهنم النار.
ومن الجدير بالذكر أن المسيح لم يكشف عن جميع الأمور المتعلقة. بملكوت الله إبان السنين الثلاث التي أمضاها مع تلاميذه. وهكذا أفهم تلاميذه بأن الروح القدس كان سيرشدهم إلى الحق كله. ندعو هذا العمل الخاص للروح القدس بالوحي. أوحى الروح القدس إلى الرسل والبشيرين بمحتويات أسفار العهد الجديد (المعروف أيضاً باسم الإنجيل) فكتبوا ما كتبوه ككلمة الله. والمحك الهام لمعرفة عمل الروح القدس وتمييزه عن الأرواح الأخرى يكمن في أنه يمجد المسيح يسوع في جميع أعماله وشهادته في عقول وقلوب الرسل. وبعبارة أخرى نعلم فيما إذا كان تعليم ما ينطبق على الحق الإلهي فيما إذا كان يطابق تعاليم المسيح يسوع التي كان قد تفوه بها علانية أمام تلاميذه في الأرض المقدسة.
ولكن متى جاء هو، روح الحق، فإنه يرشدكم إلى الحق كله، لأنه لا يتكلم من نفسه بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما يأتي. كل ما هو للآب هو لي، من أجل هذا قلت أنه يأخذ مما لي ويخبركم.
وهنا نأتي على ذكر خلفية هذا التعليم. بعد أن تعشى المسيح مع تلاميذه للمرة الأخيرة عشاء عيد الفصح أخبرهم عن عزم أعدائه على القبض عليه وتسليمه إلى أيدي المستعمرين الرومان. وكان ذلك سيؤول إلى صلبه وموته على الصليب. فامتلأت قلوبهم بالحزن ولم يستطيعوا أن يفكروا بطريقة سليمة. وهذا دفع المسيح إلى تكرار كلامه عن آلامه وموته وقيامته. بعد قليل لا ترونني، ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني منطلق إلى الآب.
عندما قال المسيح أولاً: بعد قليل لا ترونني، كان يشير إلى أن أعداءه كانوا سيلقون القبض عليه ويسلمونه إلى الرومان وأنه كان سيحكم عليه بالإعدام صلباً. وعندما قال ثانية: ثم بعد قليل ترونني، كان يشير إلى قيامته من بين الأموات في صباح يوم الأحد وظهوره لهم. لم يفهم التلاميذ هذه الكلمات الربانية فتساءلوا فيما بينهم: ما معنى هذا القليل الذي يتكلم عنه؟ فأجابهم المسيح قائلاً:
أتتساءلون عن هذا فيما بينكم أني قلت: بعد قليل لا ترونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني؟ الحق، الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم سيفرح، وأنتم ستحزنون ولكن حزنكم سيتحول إلى فرح. المرأة حين تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت ولكنها متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة من أجل الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم. وأنتم لذلك تحزنون الآن ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم، ولن ينزع أحد فرحكم منكم.
من البديهي أن يحزن تلاميذ المسيح لأن سيدهم كان سيعامل كمجرم خطير بينما كان قد وفد إلى عالمنا لتتميم رسالته الخلاصية والفدائية. من الطبيعي أن تمتلئ قلوب التلاميذ كآبة لأنهم كانوا سيخسرون مشاهدة معلمهم وهم قد اعتادوا أن يكونوا بصحبته لمدة ثلاث سنين. فطلب منهم المسيح أن ينظروا إلى المستقبل، إلى أيام ما بعد الصليب. وجه أنظارهم إلى يوم النصر، يوم القيامة المجيد، يوم إعلان فشل واندحار قوى الشر والخطية المعادية لله وللمسيح الظافر.
ما أهم تلك الدقائق الباقية من تلك الليلة الحاسمة! كان أعداء المسيح يتجمعون ويهمون بإلقاء القبض عليه واقتياده إلى بيت رئيس الكهنة ومن ثم إلى دار الولاية الرومانية. أنهى المسيح خدمته العلنية والتعليمية بهذه الكلمات الوداعية ثم رفع دعاءه إلى الله قائلاً:
قد كلمتكم بهذا بأمثال ولكن تأتي الساعة التي لا أكلمكم بعد فيها بأمثال بل أخبركم عن الآب علانية. في ذلك اليوم تطلبون باسمي، ولست أقول أني أسأل الآب من أجلكم، فإن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم بأني خرجت من عند الله. لقد خرجت من الآب وأتيت إلى العالم، وأترك العالم أيضاً وأذهب إلى الآب.
فقال له تلاميذه: ها أنت تتكلم الآن علانية ولا تقول مثلاً ما. الآن نعلم أنك عالم بكل شيء ولا تحتاج إلى أن يسألك أحد ولهذا نؤمن أنك من الله خرجت. أجابهم يسوع: أتؤمنون الآن؟ ها إنها تأتي ساعة، وقد أتت، تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي، ولكني لست وحدي لأن الآب معي. قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام، ففي العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا فإني قد غلبت العالم.
لقد بحثنا في تعاليم السيد المسيح التي تفوه بها قبيل انتهاء حياته على الأرض ولاحظنا أهميتها القصوى ليس فقط لمعاصريه بل لنا نحن أيضاً، نحن الذين أعطانا الله أن نحيا في السنين الأخيرة من القرن العشرين. فلقد طغت علينا الأفكار والنظريات الإلحادية والمادية ووقع العديدون من الناس فريسة لها وصاروا يحلمون أن الإنسان يحيا بالخبز وحده. كأنه لا حياة بعد الموت ولا قيامة سعيدة للأبرار ومخيفة للأشرار غير التائبين. لكن الناس لن يعرفوا الحياة السعيدة ولا السلام الحقيقي إلا إذا رجعوا إلى الله تائبين وآمنوا بمن جاء من الله ليخلصنا من الشر العالق بنا. وكم علينا أن نشكر الله الآب الذي يمنحنا روحه القدوس الذي يمكث معنا إلى الأبد. وهو يعزينا في جميع أيام حياتنا ويعطينا أن نحيا بشركة روحية مقدسة مع جميع المؤمنين. من آمن بالمسيح يسوع يختبر حضور الروح القدس في حياته ويذكر كلمات المسيح:
قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام، ففي العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا فإني قد غلبت العالم. آمين.

محاكمة المسيح



محاكمة المسيح




الإنجيل حسب يوحنا 18
لقد حدث في أكثر من مناسبة أن حقوق الناس الشرعية هضمت نظراً لعدم التشبث بأهداب القانون. وعندما نقرأ صفحات التاريخ نجابه هكذا حالات شاذة ونرى أنفسنا عاجزين عن إصلاح الماضي أو تغييره لأنه صار جزءاً لا يتجزأ من واقع مضى.
ما الذي يدفعنا للشعور بالاشمئزاز تجاه هكذا أمور؟ ليس الجواب بعسير. هناك في قلب كل إنسان شعور قوي يدفعه للدفاع عن ما يطابق الحق ولرفض ما يخالفه. لكنه نظراً لوجود عامل الشر في قلب الإنسان نلاحظ أن هذا الشعور يخضع لضغوط قوية، وإذ ذاك يعمد الإنسان للسير على طريق معوجة تؤول في النهاية إلى إسكات ضميره وكسر الوصية الإلهية التي تتطلب منا أن نعطي الناس حقوقهم التي منحهم إياها الخالق عز وجل.
ولا زلنا ندرس سيرة المسيح كما وردت في الإنجيل حسب يوحنا. ووصلنا إلى الفصل الثامن عشر من الإنجيل حيث سرد لنا الرسول حادثة القبض على المسيح لمحاكمته أولاً أمام رئيس ومن ثم أمام الوالي الروماني بيلاطس البنطي. ومن الجدير أن نلاحظ عدم وجود أي مبرر للحكم على السيد المسيح فهو لم يقم بأي شيء يستوجب اللوم. ومنذ بدء سيرته في الأرض المقدسة اصطدم برؤساء الكهنة وبغيرهم من زعماء إسرائيل الدينيين، فقرروا أن يتخلصوا منه بصورة نهائية. ووقفوا له بالمرصاد منتظرين أول فرصة للمجيء به أمام السلطات الدينية لمعاقبته على كسر الشريعة الموسوية –حسب زعمهم.
ومما يزيد من مأساوية القبض على المسيح ومحاكمته أن أحد تلاميذه خانه وجاء بالجنود للقبض عليه بدون لفت أنظار عامة الناس الذين كانوا ينظرون إليه نظرة المودة والاحترام. وكما ورد في النص الكتابي:
ولما تكلم يسوع بهذا خرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون حيث كان بستان فدخله هو وتلاميذه. وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع، لأن يسوع كان يجتمع هناك مع تلاميذه كثيراً. فأخذ يهوذا الفرقة وشرطا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمصابيح ومشاعل وأسلحة. فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم: من تطلبون؟ فأجابوه: يسوع الناصري. فقال لهم يسوع: أنا هو. وكان يهوذا مسلمه واقفاً أيضاً معهم. فلما قال لهم: أنا هو. ارتدوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض. فسألهم أيضاً: من تطلبون؟ فقالوا يسوع الناصري. أجاب يسوع: قد قلت لكم, أني أنا هو، فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون، ذلك ليتم القول الذي قاله: إنَّ الذين أعطيتني لم أفقد منهم أحداً. وإذ كان مع سمعان بطرس سيف استله وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى. وكان اسم العبد ملخس. فقال يسوع لبطرس: رد سيفك إلى غمده. الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها؟
لا بد أننا نتعجب من موقف المسيح يسوع. لماذا سمح للتلميذ الخائن بأن يأتي بالجموع للقبض عليه؟ ولماذا قبل هكذا معاملة شائنة؟ ألم يكن بوسعه أن يدافع عن نفسه؟ ولماذا وبخ تلميذه بطرس الذي استل سيفه وهب للدفاع عنه؟ وكيف نفسر موقف الله الآب من هذه الأمور؟ كان الله الآب قد أرسل ابنه الوحيد والمدعو أيضاً بكلمة الله، في مهمة خاصة وفريدة أي فداء العالم من براثن الشر والخطية ومن عبودية الشيطان. وكان هذا الفداء سيتم بآلام المسيح يسوع البدلية وموته الكفاري. ولذلك ندعو مرسلية المسيح عملاً خلاصياً صار لجميع الذين يؤمنون به، بغض النظر عن أصلهم وفصلهم.
لم يرغب السيد المسيح بأن يلقى القبض على تلاميذه ولذلك أظهر نفسه للذين كانوا قد أتوا للقبض عليه. ولم يقبل السيد له المجد بأن يدافع عنه التلميذ بطرس بالسيف لأنه كان قد وفد عالمنا لإنقاذنا بواسطة آلامه البدلية وموته الكفاري على الصليب. رد سيفك على غمده، الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها؟ سمح المسيح يسوع لأعدائه بأن يوثقوه ويقودوه إلى حنَّان الذي كان حما رئيس الكهنة قيافا. يسوع المسيح البار يقتاد كمجرم أمام رئيس كهنة هيكل القدس!
ونصاب بدهشة كبيرة عندما نلاحظ موقف التلميذ بطرس من المسيح. دافع عن سيده بحد السيف وقطع أذن ملخس عبد رئيس الكهنة. وكان قد صرَّح بأنه كان مستعداً لأن يموت في سبيل المسيح. ولكنه ما إن دخل إلى دار رئيس حتى خانته شجاعته وأنكر أمام جارية أنه كان يعرف المسيح الناصري!وكما ورد في الإنجيل:
وكان سمعان بطرس وتلميذ آخر يتبعان يسوع. وكان ذلك التلميذ معروفاً عند رئيس الكهنة. فدخل مع يسوع إلى دار رئيس الكهنة. وأما بطرس فكان واقفاً عند الباب خارجاً. فخرج التلميذ الآخر، الذي كان معروفاً عند رئيس الكهنة، وكلم البوابة، وأدخل بطرس. فقالت الأمة البوابة لبطرس: ألست أنت أيضاً من تلاميذ هذا الإنسان؟ فقال ذاك: لست أنا. وكان الخدام والشرط واقفين وقد أضرموا جمراً، لأنه كان برد، وكانوا يصطلون. وكان بطرس أيضاً واقفاً يصطلي.
أنكر بطرس ربه أمام امرأة شابة لم تكن قادرة على القيام بأي شيء يهدد مصيره. يا ترى ماذا كانت الدوافع التي أدت إلى هذا الإنكار؟ كيف انقلب الشجاع إلى إنسان يخاف بأن يقر بمعرفته للمسيح يسوع؟ كتب يوحنا الرسول واصفاً ما جرى:
أما سمعان بطرس فكان واقفا ً يصطلي، فقالوا له: ألست أنت أيضاً من تلاميذه؟ فأنكر هذا وقال: لست أنا. فقال واحد من عبيد رئيس الكهنة وهو نسيب للذي قطع بطرس أذنه: أما رأيتك في البستان معه؟ فأنكر بطرس أيضاً وللحال صاح الديك.
لو اكتفى بطرس بإنكار المسيح يسوع مرة واحدة لقلنا أن شجاعته خانته في لحظة لم يكن هو شاعراً بقدومها. ولكننا عندما نلاحظ تكراره لإنكار مخلصه ثلاث مرات نقول بأن الدافع الرئيسي كان عدم رغبة بطرس في أن يتألم المسيح ويذهب إلى الصليب ليموت عنا نحن البشر مكفراً عن آثامنا وخطايانا.
كان رؤساء الكهنة وغيرهم من زعماء الدين في القدس قد قرروا مسبقاً أن يقتلوا المسيح. ولكنهم أرادوا أن إظهار أنفسهم كالمتعلقين بأهداب القانون والشرعية. فجاؤوا بالمسيح لمحاكمته محاكمة صورية أمام رئيس الكهنة. ونستقي ما يلي من النص الكتابي:
وسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه. فأجابه يسوع: لقد كلمت العالم علانية، وعلمت في كل حين في المجامع وفي الهيكل حيث يجتمع كل اليهود، ولم أتكلم بشيء في الخفاء، فلماذا تسألني؟ سل الذين سمعوا عما كلمتهم به، فإن هؤلاء يعرفون ما قلته. فلما قال يسوع هذا لطمه واحد من الشرط كان واقفاً هناك، وقال: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟ أجابه يسوع إن كنت قد تكلمت بسوء فاشهد على السوء، وإن كان بخير فلماذا تضربني؟
وهنا علينا أن نتذكر أن الإمبراطورية الرومانية كانت قد احتلت البلاد المقدسة في أواسط القرن الأول قبل الميلاد ولم تكن قد منحت اليهود الصلاحية بأن يعدموا أي إنسان. وهذا ما يفسر لنا سبب المجيء بالمسيح إلى دار الولاية الرومانية في القدس. وكما ورد في الإنجيل:
ثم جاؤوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية وكان الصبح (أي صباح يوم الجمعة). ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لئلا يتنجسوا، وإنما كي يأكلوا الفصح. فخرج بيلاطس إليهم وقال: أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟
وعوضاً عن أن يذكروا نوعية الشكوى أو الجرم المزعوم الذي ارتكبه المسيح، أظهروا حقدهم وكراهيتهم للمسيح وعدم تقيدهم بأهداب الشريعة الموسوية وقالوا لبيلاطس:
لو لم يكن فاعل سوء لما سلمناه إليك. فما كان من بيلاطس إلا وأن سار على منطقهم المعوج فقال لهم: خذوه أنتم واحكموا عليه بحسب شريعتكم. فقال له اليهود: لا يجوز لنا أن نقتل أحداً. وكانوا يعنون بذلك أن السلطات المستعمرة للبلاد لم تسمح لهم بأن يعدموا أي إنسان.
احتار بيلاطس في أمر المسيح وأخذ يبحث في الموضوع من الناحية القانونية الرومانية، وأخذ يتأمل في الشكوى التي جاء بها اليهود وهي أن المسيح قال عن نفسه بأنه ملك.
فدخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له: أأنت ملك اليهود؟ أجاب يسوع: أمن ذاتك تقول هذا أم أن آخرون قالوه لك عني؟ أراد المسيح أن يظهر لبيلاطس الوالي أن معنى عبارة ملك اليهود يختلف فيما إذا فسَّره أعداؤه أو المسيح ذاته.
أجاب بيلاطس: ألعلي أنا يهودي؟ إن أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلي فماذا فعلت؟ وهنا شرح المسيح الموضوع بصورة جلية قائلاً: إن مملكتي ليست من هذا العالم، فلو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يحاربون عني كي لا أسلَّم إلى اليهود. أما الآن فإن مملكتي ليست من هنا. فقال له بيلاطس: فهل أنت إذاً ملك؟ أجاب يسوع: أنت قلت أني ملك. فإني لهذا ولدت ولهذا أتيت إلى العالم لأشهد للحق، وكل من كان من الحق يسمع صوتي. قال له بيلاطس: وما هو الحق؟
لم يكن بيلاطس مهتماً بموضوع الحق. فلما قال هذا خرج أيضاً إلى اليهود وقال لهم: إني لا أجد فيه علة ما، وإن لكم عادة أن أطلق لكم واحداً في الفصح، أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ تكلم بيلاطس متهكماً بالسيد المسيح عندما قال: ملك اليهود. فصرخوا أيضاً قائلين: ليس هذا بل باراباس، وكان هذا الأخير لصاً ومجرماً.