.
لمسة يسوع
الموضوعات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جولة في رسالة يعقوب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جولة في رسالة يعقوب. إظهار كافة الرسائل

جولة في رسالة رومية اصحاحات

جولة في رسالة يعقوب الاصحاح الخامس




الاصحاح الخامس  


يحذّر يعقوب الأغنياء في الأعداد الستّة الأولى الذين يتّكلون على المال ويعبدونه، وهكذا يظلمون الذين يعملون ويتعبون عندهم. مع أن المال ليس شرّاً بل محبة المال والركض وراءه واللهث لأجل حياة الرخاء والرفاهية والتنعّم على حساب الآخرين هو الشرّ، كما يقول حزقيال "هذا كان إثم سدوم، الكبرياء والشبع من الخبز وسلام الاطمئنان كان لها ولم تشدّد يد الفقير والمســكين" (حز 49:16) واشعياء يصرخ قائلاً أنه حين تمتلىء البيوت ذهباً وفضة، تمتلئ أيضاً أوثاناً وشرّاً، فينخفض الانسان وينزل الى الحضيض (اش 7:2). ويؤكد يعقوب أن تعب السنين هو للباطل لأن هيئة العالم تزول وكلّ هذه الأشياء تنحلّ وتفنى وسيُعطي كلّ واحد عن نفسه حساباً، والمال هو ليس الا وديعة، سنعطي حساباً عمّا استعملناه لأجله..وينصح الكاتب بالتوبة والبكاء على الشقاوة القادمة لا محالة، لئلا نستفيق بعد غفوة عمر فلا نجد الا الصدأ شهادةً على حياةٍ قُضيَت في الجهل والغباوة، وليس ذلك فحسب بل سنقف أمام ديّان الأرض العادل.. وهنا يلمح الى أن حياة الترف والتنعّم في اللباس والطعام والمبيت لا بدّ الا أن تسبّب ظُلماً واستغلالاً للفقراء لذلك يقول:

"أن الله اختار المساكين وفقراء العالم للحياة الأبدية"

كما نقرأ في لوقا 25:16 "اذكر انك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا والآن هو يتعزّى وأنت تتعذّب". ونقرأ في عاموس 6 "ويل للمستريحين والمطمئنّين والمضطجعين والمتمدّدين "(أي غير المبالين)، هؤلاء يُسبون في أوّل المسبيّين". ثم يقول الرب "اني أكره عظمة أو تعظّم يعقوب"!.

هل نستخدم وقتنا ومجهودنا ومالنا لأجل الحياة الأبدية وإنقاذ النفـوس، أم لأجل ذواتنا وراحتنا حتى ولو كان على حساب الاخرين؟!، وهل نبكي الان ونتوب أم ننتظر البكاء والشقاوة القادمة وصرير الأسنان؟!، أَم نكون مثل لوط الذي خسر كل ما جمعه في لحظة وخلص كما بنار؟!، فلنكتف بما عندنا ونهتمّ بعمل الرب والأمور الأبدية. ثم نقرأ في رسالة يعقوب 4:5 ان صراخ المظلومين قد دخل الى أذني رب الجنود! فلنعلم أن أمور حياتنا وبيوتنا وأهدافنا هي مكشوفة أمام عيني الرب.

ينتقل الكاتب بعدها الى مجيء الرب ويشبّه المنتظرين مجيئه كالفلاح الذي ينتظر بصبرٍ شديد ثمر عمله متأنيّاً، فلنتأنّى ونثبّت قلوبنا لأن مجيء الرب قد اقترب ولنكن راسخين غير متزعزعين مُكثرين في عمل الرب كل حين عالمين أن تعبنا ليس باطلاً في الرب (1كو58:15)، ولا نئنّ بعضنا على بعض ونغار من المستريحين والمتنعمين لأن الديّان واقف على الباب وهو يسمع كل شيء، وفي لحظة سيفتح الباب ويُعلن النهاية وسيبغت الكثيرين.

لنبقَ واثقين بالرب دون أن نطرح ثقتنا لأن مجازاتنا عظيمة وليأخذ المتألمون الأنبياء خاصة أيوب مثالاً لهم في الصبر واحتمال المشقّات وهم مثال أيضاً لعاقبة الرب ومكافئته ومجازاته العادلة، أي أنهم لا يصبروا عبثاً ولن يخزوا بل سيفتقدهم الرب في الوقت المعيّن ويعوّض لهم عن السنين التي أكلها الجراد وعن الليالي التي قُضيت في الألم والبكاء والدموع والانسحاق وتعيير الجاهل.

وقد أثبت الرب في قصة ايوب مثلاً انه كثير الرحمة والرأفة وانه يجرح ويعصب وانه لا يُحزِن من قلبه لولا انه لمنفعتنا لكي نكون قريبين أكثر منه ولكي ينقذنا من الجهل، لأن مَن تألّم كفّ عن الخطية، ونتألّم معه لكي نتمجّد معه وأنه يتعامل معنا لكي نشترك في قداسته. وليكن كلام المؤمن نعن نعم ولا لا دون حلف او قسم بل حين يقول نعم يقصد نعم.

القسم الأخير من رسالة يعقوب يتطرّق الى موضوع الصلاة وذلك في الأعداد 13-18. والمشقّات هي علامة على أن المؤمن يحتاج أكثر الى الصلاة وكم من مرّات أهملنا الصلاة، فسمح الله بالمشقّات حتى تثقّلنا جداً فانكسرت قلوبنا وفاضت بالصلاة للرب، وعند استجابة الرب لنا، نفرح ونسبّح الرب... ثم يتحدّث عن حالة خاصة فيها يمرض المؤمن بسبب خطية ما او عصيان ثم يتوب عن خطيته فيعترف بخطئه فيشفيه الرب، ويحتاج الى الايمان والاستقامة والصدق لكي يلجأ الى الرب والرب سيشفيه. وإن أخطأ الى الجماعة فمرض ثم إتضّع، فليدع شيوخ الكنيـسة أي الرعاة أو المرشدين وهم الأخوة الناضجون الروحيون، ويعترف للرب أمامهم بخطيته فيصلّوا لأجله ومعه، والرب يشفيه وليس الزيت، لأنه لا يقول "بالزيت "بل بزيت" اي زيت عادي كوسيلة وخطوة ايمان يستخدمها الرب، ولا يدعونا لنعترف بأخطائنا لغيرنا بل نعترف بالأخطاء لمن أخطأنا اليه لأن الاعتراف لآخرين هو علامة الانكسار. ويدعونا الرب أيضاً لنصلي بعضنا لأجل بعض، ثم يقدّم الكاتب لنا ايليا النبي مثالاً في الصلاة الحقيقية، ويشجّعنا اذ يقول انه كان انساناً تحت الالام مثلنا فلم يكن من جبلة او خليقة أخرى بل مثلنا اجتاز التجارب المتنوعة والمعاملات الألهية وتعلّم أن لا يثق بنفسه بل يلتجيء الى الرب وأن يصلّي لأجل غيره دون أن يهدف الا الى مجد الرب. لذلك صلّى صلاة محدّدة وهادفة، فاستجاب الرب له.. فكل صلاة بايمان تقصد مجد الرب ومنفعة شعب الله لا بدّ أن يستجيب لها الرب. لنذكر ان الرب لم يقل لأيليا أطلب كذا وكذا بل ايليا ميّز ما يمجّد الرب فطلب فأخذ، ولم يصلّ هذه الصلاة الا بعدما اجتاز الدروس المؤلمة فاكتسب الحكمة التي هي من فوق والايمان الذي لا يرتاب والقلب الثابث والمنكسر.

ثم يختم الكاتب رسالته بحالة أخ ضلّ عن الجماعة فردّه آخر، فانه يخلّص ذلك الشخص من موت جسدي وتأديب الهي ويضع حداً لحياة مكوّنة من سلسلة من الخطايا والآثام والشرور، وذلك الضال لا يعرف كيف يرجع.

هل نعرف كيف نردّ ضالاً؟! لنرجع الى غلاطية 6 ونتعلّم ذلك. مكتوب عن الرب يسوع انه عرف كيف يغيث المعيي بكلمة واحدة (أش50: 4) أما بولس فاحتاج الى خمس كلمات! (1 كو14: 19)، لا يحتاج الأمر الى الكلام الطويل بل الى مَن يتكلّم بأقوال الله (1 بط 4: 11) والى مَن قد وقف أمام الرب (إر23: 18/ 22). ليتنا نتعلّم بنعمة الرب أن نختبر الايـمان العامل بالمحبة في حياتِنا لمجد الله.

طوبى لكم اذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين افرحوا وتهللوا لأن اجركم عظيم في السموات فإنهم هكذا طردوا الانبياء قبلكم (متى 11:5 -12).

أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا الى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات (متى 5: 44)

جولة في رسالة يعقوب الاصحاح الرابع




الاصحاح الرابع 


لكي يُقنع الكاتب القُرّاء بضرر الحكمة الأرضية، يلفت انتباههم الى الخصومات التي بينهم، التي سببها هو طلب اللذات والشهوات، حين يطلب البعض ما لنفسه لإشباع رغباته، مما يسبّب خصومات ونزاعات داخلية، وهذه هي عين الحكمة الأرضية النفسانية التي مصدرها الشيطان، وهم لا يعلمون، بل يشعرون أنهم مُحقّون، وهم عاجـزون عن رؤيـة مـكايـد ابليس فانخدعوا من شهوتهم. ان النتيجة حتماً موت روحي وتشويش.. يشتهون ولا يملكون لأن العدو يعِد ولا يعطي بل يبقي أتباعه ظمآنين مُخوّرين. يحسدون ولا يملكون لانهم لا يطلبون الحكمة التي من الله بل يطلبون رديّاً لكي ينفقوا في لذّاتهم.. ولا يتردّد الكاتب عن كشف حُكْم الله وهو أن حبّ الامتلاك وطلب إشباع رغبات الانسان هي محبة العالم التي زحفت الى الكنيسة والى قلب الأخوة الأحباء، وهم لا يعلمون أن هذه عداوة لله أي وقوف في صفوف جيش العدو ضد الله، لأنها تستبدل محبة الله وحكمته ولا تأتي الا بالهوان والعار لأسـم المسيح وهي أيضاً زنى روحي لأنها زيغان القلب عن الرب الذي مات لأجلنا ومحبة للأمور العالمية التي تقود الى المخاصمة والغيرة. كان ينبغي أن الضّيق يقود الى حياة القداسة والانفصال عن الشر والالتصاق بالرب وليس الى الانغماس في الملذّات والالتصاق بما يبغضه الرب. إن كل ما يقوله الكتاب المقدس هو صحيح وصادق ولا يقول شيئا باطلا اي بلا معنى، والروح القدس الذي حلّ فينا لا يقود الى الحسد والغيرة بل أتى ليعطي نعمة أعظم وليحفظنا من هذه الشرور، لكن أصل حكمة العالم والانغماس في الملذات والخصومات هو الكبرياء والله يقاوم المستكبرين ليكسرهم، واما المـتـواضعون فيعطيهم نعمة، أي يُعين بنعمته أولئك الذين احتملوا التجربة وتزكّوا، متواضعين تحت يد الله خاضعين لمشيئة الأله الأمين ولم ينجذبوا بشهوتهم. ثم يقدّم الكاتب للذين خدعوا قلوبهم بالحكمة الأرضية ومحبة العالم وبسماع الكلمة دون العمل بها، يقدّم لهم خطوات هامة نحو الحلّ والرجوع الى الرب:- 1. اخضعوا لله ولمشيئته كما قال داود "صمتّ لا أفتح فمي لأنك أنت فعلت" (مز 9:39). 2. قاوموا ابليس فيهرب منكم، اي أرفضوا أفكاره وتشكيكه وعروضه الخادعة. 3. اقتربوا الى الله، فيقترب اليكم وذلك بالاقتراب الى الكلمة وقبولها في القلب، لأن المبتعد ليس الله بل نحن الذين نقترب بالشفاه اما القلب فمبتعد بعيداً جداً! 4. نقّوا أيديكم، اي أحكموا على أعمالكم الرديئة. 5. طهّروا قلوبكم يا ذوي الرأيين، أي أجعلوا قلوبكم غير منقسمة بل تحبّ الرب فقط، رافضة العالم وملذّاته والجسد وشهواته. 6. اكتئبوا ونوحوا، أي توبوا ولا تفرحوا بالاثم. 7. اتّضعوا قدام الرب فيرفعكم، اي اقبلوا الحلّ الألهي، منكسرين، والرب يعِد بأن يرفع المتّضعين ويعطيهم نعمة. ثم يعطي مثلاً عن الحكمة الأرضية وهو عدم ضبط اللسان وذمّ الإخوة، منبّراً عن خطورة ذلك، فالذمّ وإدانة الآخرين وإظهار عيوبهم هو: 1. ذمّ للناموس ومهاجمة ناموس الله. 2. سلْب مركز الرب الديّان والادانة مكانه. 3. يقول "من أنت"، فالادانة هي عمل أكبر مِن أن يعمله خاطىء حقير. مثال آخر هو التخطيط للغد، فيخطّط الانسان واثقاً بنفسه غير متكلٍ على الرب ناسياً أن الغد هو في يد الرب، ولـيـس بأيـديـنـا الا الـحـاضـر. ولا نقدر أن نضمن حياتنا، لأن الرب هو الذي يسيطر على المستقبل، فلنتّضع طالبين ترتيبه اليومي لنا. وأخيراً يضع أمامنا قانوناً عاماً للتصرّف قائلاً: "مَن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فذلك خطية له" كلّ مَن عَلِم وانتبه الى أن أي عمل او كلام او موقف يفيد الاخرين ويبني ويشجّع ويعود بالمجد للرب، ثم يمتنع عن عمله، فذلك خطية له، أي يكون مُخطئاً الى نفسه والى الاخرين ويستحقّ دينونة لله.

جولة في رسالة يعقوب الاصحاح الثالث



الاصحاح الثالث 


تظهر الحكمة في ضبط اللسان وعدم إطلاق العنان لشهوة حبّ التكلّم، عالمين أن التعليم هو مسئولية، ومَن يتكلّم دون عمل وتطبيق ما تكلّم به، يتعرّض للإدانة وحكم الاخرين، فالشرط الأول للرجل الناضج والكامل المؤثّر في كلامه هو ضبط اللسان. لأن اللسان يعبّر عما في القلب "لأن من فضلة القلب يتكلّم اللسان". إمّا أن يكون اللسان متّصلاً بالنبع المالح والمُرّ اي الطبيعة الساقطة، فتُخرج كـلاماً هدّاماً ومُتعِباً ومُفسِداً، وإمّا ان يكون متّصلاً بالنبع الحلو والعذب فينشر الكلام المعزّي والبنّاء والمُشجّع والمُمجّد لله. ويشبَّه ضبط اللسان ب : 1- لجام الخيل : كل خيل بلا لجام، أيّ خرابٍ تسبّب؟!. 2- دفّة السفينة: كل سفينة بلا دفة وبلا مدير حكيم، أيّ هلاكٍ تسبّب؟!. 3- نار ووقود : كل نار لا تُستعمل بحكمة، أيّ ضررٍ تسبّب؟! واللسان كالنار التي تضرم الجسم ومَن حوله وكثيراً ما ينطق اللسان بأفكار جهنمية أثيمة تُفسِد سامعيها وتقضي على اجتماعات بأكملها. 4- طبع الوحوش: ماذا تفعل الوحوش غير المنضبطة؟! كم تكسر وتفتك؟! وكم من الضحايا تحطّمت بسبب كلام وحُكم قيل بجهلٍ. يصل يعقوب الى الاستنتاج أنه لا يصلح يا أخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا، بل لنحدّد لأنفسنا موقفاً، إمّا أن يعبّر لساننا عن الطبيعة الالهية، وإمّا أن يعبّر عن الطبيعة الساقطة. لنفكّر قليلاً كم مِن أضرار لا تُصلَح، يسبّبها اللسان لأن "الموت والحياة في يد اللسان" (أمثال 21:18). لنركض الى الرب طالبين قوّته لكي نضبط لساننا فلا يُخرِج الا بركة وبنيان وتشجيع للآخرين (أفسس 29:4)، ولنعترف منكسرين لأن ما يحرقه اللسان لا يُرَدّ، وكم مِن نفوسٍ عثرت وتركت طريق الايمان بسبب كلمة قلناها، وكم مِن نفوس لم تبت الليالي تبكي بسبب كلمات قاسية سمعتها من فم جاهل واثق بنفسه. ثم نقرأ أن الحكيم ليس مَن يتكلّم كثيراً بل مَن يتصرّف حسناً ومَن يكون وديعاً، لأنه ما الفائدة من "الحكمة" المصبوغة بالكبرياء، ومعرفة كلمة الله دون وداعة وتواضع؟!، وما فائدة المعلومات الكتابية إن خلت من تصرّف حسن وموقف يمجّد الله!؟. يا للخدعة! يمكن للقلب البشري أن يفتخر بالمعرفة الكتابية والتعليم الألهي وهو يرعى أفكار غيرةٍ وتحزّبٍ، يسمّي الكاتب موقفاً كهذا "كذب على الحق" أي أن الحق بريءٌ من ذلك. أما المعرفة الكتابية الصحيحة التي يدعمها تصرف حكيم، فتمجّد الله وتهب بنـياناً وبـركة لكل مَن يحتكّ بنا. ليت الرب يكرمنا بحــكـمة التصرّف العملي. وينصحنا يعقوب أن نميّز بين: 1- حكمة أرضيّة أي من الناس، وهي نفسانية أي تعطيك شعوراً حسناً، وشيطانية اي أن مصدرها الشيطان ونتيجتها الهدم والتجريح والتشويش وكل أمر رديء. ليرحمنا الرب ويحرّرنا من هذه "الحكمة" لأنها تبدو حكمة وهي عين الجهالة والحماقة والخداع، ولنصحُ ضد مكايد ابليس أي خبثه. ولا نكون حكماء في أعين أنفسنا. 2- حكمة من فوق أي ألهية، ونحصل على هذه الحكمة عندما نشعر بحاجتنا الماسّة اليها ونطلبها بايمان وعزم (ص5:1). وهذه الحكمة مُسالِمة لا تُخاصم، ومترفّقة أي لطيفة، ومُذعِنة اي مستعدّة للتنازل ولا تتصلّف، وهي مملوءة رحمة اي لا تقسو بل تشفق، ومملوءة أثمار صالحة أي تفيد الاخرين، وهي عديمة الريب والرياء أي خالية من الظنون الرديئة لأن "المحبة لا تظنّ السّوء". وأخيرا يخبرنا الكاتب أن "ثمر البرّ يُزرَع في السلام"، فلكي تحصل على ثمر البرّ اي أعمال حسنة تمجّد الله، عليك أن تزرع البرّ في الهدوء، فتُلقَى كلمات الحكمة الألهية على مسامع إنسان مستعدّ ليسمع ويصغي مُهدّئاً نفسه.

جولة في رسالة يعقوب الاصحاح الثاني

الاصحاح الثاني


 ينبّر الكاتب عن مشكلة المحاباة، فقد رحّب المؤمنون بالأغنياء واحتقروا الفقراء، ويذكّرهم بالرب يسوع الذي مع أنه رب المجد الغنيّ الا أنه أتى كالفقير المُحتقَر ولم يميّز بين الناس بل أحبّ الجميع، أحبّ الخطاة بشكل خاص وأكل مع المساكين وبات عند رجل خاطيء. هكذا أعلن اليهو في سفر أيوب اذ قال "لا أحابين وجه رجل ولا أملث انساناّ لأني لا أعرف الملث (الوجهنة)، لأنه عن قليل يأخدني صانعي"(أيوب 21:32 – 22 ). ثم يوضّح يعقوب أن مّن حفِظ جميع وصايا الناموس وتعدّى بوصية واحدة، فقد صار متعدّياً للناموس بأكمله، ويقصد أن محاباة الوجوه لوحدها تكفي لكي يرانا الرب كمتعدّين على ايمان ربنا يسوع. ومع أننا لسنا تحت الناموس، الا أننا لسنا بلا ناموس، بل محبة المسيح تحصرنا وتقيّدنا أن نحيا حسب ناموس المسيح، اي بحسب أسلوب تعامله مع الاخرين وحسب ناموس الحرية، أي الحرية المسيحية التي تلزمنا أن نحب الجميع ولا نحتقر أحداً. لأن الحكم هو بلا رحمة لمَن لا يتعامل بالرحمة، وبالدينونة التي بها ندين نُدان، والرحمة تفتخر على الحكم فارحم تُرحَـم وكما تُعامِل تعامَل، ولو أتى الرب يسوع بالحكم والناموس والحق، لما خلص أحد، الا أنه أتى بالرحمة والنعمة ايضاً، وهو لنا في ذلك المثال الكامل. ويتساءل الكاتب "ما المنفعة إن قال أحد أن له ايماناً، ولكن ليس له أعمال، هل يقدر الايمان أن يخلّصه؟!، لكن "الايمان بدون أعمال ميّت"، كما يقول بولس" لكي يهتم الذين آمنوا بالله أن يمارسوا أعمالاً حسنة فان هذه الأمور هي الحسنة والنافعة للناس"(تيطس 8:3). لا بد للايمان الحقيقي الا أن يُنتِج أعمالاً حسنة تفيد الاخرين وتمجّد الله وتشهد للمسيح الحيّ. ان الايمان القلبي يخلّصني أمام الله، أما الأعمال الحسنة نتيجة للايـمـان الحقيقي فتخلّصني أمام الناس وتجعلهم يقرّون بالحقيقة أنني مؤمن. ولأن الايمان لا يُرى، لذلك علينا أن نبيّن ايماننا بالأعمال، وبولس الرسول يقول "أنا ايضاً أُدرّب نفسي ليكون لي دائماً ضمير بلا عثرة من نحو الله والناس (اعمال 16:24). ويعطينا ابراهيم مثالاً، فنعرف قوّة ايمانه حين عمل وأراد أن يقدّم ابنه ذبيحة لله. فلماذا صعد ابراهيم الى الجبل ثلاثة أيام ووضع الحطب ثم ابنه اسحق وأراد تقديمه للرب!؟ ألَم يعرف الرب قلبَ ابراهيم وايمانه؟!، لكن هذا كلّه لكي نرى نحن ويرى الجميع مقدار ايمان ابراهيم. فدعيَ ابراهيم أب المؤمنين بسبب ايمانه العامل والواضح. لذلك فالايمان بلا أعمال هو جسد بلا روح أي لا قوة فيه ولا قيمة له.

جولة في رسالة يعقوب الاصحاح الأول

الاصـحـاح الأول


 يفتتح يعقوب الرسالة مباشرةً منذ العدد الثاني دون مقدّمة أو مدخل، وذلك لأنه يكتب الى مؤمنين في ضيقة وألم وتشتّت، ويطلب اليهم أن يحسبوا التجارب الأليمة فرحاً لأنها تمتحن الايمان وتزكّيه وتُنشئ صبراً وتجعلنا تامّين وناضجين وواعين روحياً، لا أطفالاً في الايمان. وهو لا يقول "إذا" وقعتم في تجارب، بل "حينما"، لأن الضيقات لا مفرّ منها، لكن المسيحية تجعلها ايجابية لأنها من يد الآب المُحب وهي لبركتنا، والتجارب متنوعة، لتعلّمنا الصّبر ، ويستخدم كلمة "تجارب" لوصف الضيقات، وذلك، مع أن الرب يسمح بالضيقات، الا أنّ الشيطان يستغلّها لكي يشكّكنا في الرب وبمحبته وعنايته وبطريق الايمان، وأحياناً نقول "قد اختفت طريقي عن الرب وفات حقّّي الهي" (أشعياء 27:40)، فيجرّبنا العدو لكي يُسقطنا في اليأس والكآبة وكأن الرب نسيَنا!. لذا نحتاج الى الحكمة والفهم لمعرفة طُرُق الرب ومعاملاته، فنرى حكمة الرب في كل ما يسمح، وهنا يقول "إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب"، هل يوجد أحد لا يحتاج الى حكمة!؟ كلا، لكن ليس كل واحد يشعر ويقتنع بحاجته الى الحكمة ، فيلتجيء الى الرب طلباً لتدريبه وتشكيله بل البعض ييأس والبعض الآخر يلوم الله وآخرون يلومون أنفسهم. نشكر الرب لأن كل مؤمن مُعطَى له الفرصة لكي يتحوّل الى انسان حكيم وفهيم، شرط أن يشعَرَ بحاجته الى الحكمة ويطلبها من الرب بكل قلبه، والرب يُعطي بسخاء جميع الذين يطلبون والوعد أكيد "فسيُعطى له". كُتبت هذه الرسالة لأن المؤمنين كانوا في ضيق، والذي في الضيق يحتاج الى حكمة ولكي يُعطى حكمة يحتاج الى ايمان وثقة أن الرب يعطي دون ارتياب أو شكّ. الرجل ذو الرأيين والمتقلقل هو الشخص الذي تارةً يفكّر بالفكر الكتابي نحو الأمور اليومية، وتارةً بأفكاره هو. فتراه يُظهِر رأيه هو فيُظهِر انه مظلوم ثم بعد لحظة، يتبنّى رأي الرب فيقول ان الربّ قد سمح بذلك. ولماذا برأيين؟، لأنه لا يريد أن يتضّع ويذهب الى الرب كمحتاج ومنسحق. أما مَن يتضّع، فيفتخر حين يستجيب له الرب ويرفعه، فيفرح باستجابة الرب له. ثم يلفت يعقوب الانتباه الى أن المؤمن المتضايق، يزداد ضيقُهُ، حين يرى الآخرين مستريحين ومتنعّمين وكأنّهم لا يحتاجون الى شيء ولا يجتازون في ضيق مثله، فيشعر بالمرارة، فيصرّح يعقوب مهدّئاً إيّاه قائلاً، أن الغني والمستغني هو كزهر العشب يزول وسرعان ما يسقط زهره ويذبل، واما مَن يصنع مشـيئة الرب فهذا يثبت الى الأبد. ثم يطوّب الرجل الثابت الذي يحتمل التجربة ويصدّ سهام الشرير المُلتهبة وشكوكه، فيَظهَر ثباته أمام الجميع، ويعد الرب هؤلاء بالتمتّع العملي بالحياة الأبدية والمكافأة التي لا تفنى. لكن ليس كل تجربة هي مِن الله، لأن الله لا يجرِّب بالشرور، ف"التجربة" التي من الله، هي للبركة، أما التجربة التي من الداخل أي من الطبيعة الساقطة ومن الشهوة، فهي ليست من الله وهي تخدعنا، لأنها تعدنا بالتمتّع والفرح، لكن سرعان ما تهوي بنا الى الموت الروحي والحزن والمرارة والهوان، وهنا لا يقصد الشهوة الرديئة فقط بل اشتهاء كل ما يحذّرنا الرب منه، كمحبّة المال والانتقام والحسد وحبّ الظهور والذمّ. ثم يصل الكاتب الى الاستنتاج الواضح، أنّ كل عطيّة صالحة هي من الله، لأن الله المحب لا يهب الا الخيرات، وهو لا يريدنا أن نسقط او نفشل، بل أن نكون رجالاً في الايمان. ولا يمكن لله المحبّ وقصده الصالح أن يتغيّرا أقلّ تغيير. (ارميا 11:29 / مز 18:85). لأن أبا الأنوار الذي ليس فيه ظُلمة البتّة، أي منفصل عن أي شر أو اثم، "قد شاء فولدنا بكلمة الحق" أي ولَدَ أولاداً مثله، "أنوار" لا يحبّون أعمال الظلمة، وقد تمّت الولادة بسماع كلمة الله وقبولها في القلب. قلباً نقيّاً اخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي (مز51: 10) "اذاً يا اخوتي"، "اذا" تعني، أنّ ما تقدّّم، يعلّمنا أن لا نكون مسرعين في التكلّم والغضب والحكم على الأمور بل لنتروّى ونفكّر قبل أن نتكلّم(جامعة 2:5–6). لأننا بالطبيعة نحبّ أن نكثر الكلام، ونجد صعوبة بالغة في ضبط لساننا (أمثال 19:10). لكن الكاتب لا يريدنا أن نمتنع عن الكلام، بل أن نبطىء في التكلّم، أي نتكلّم عندما يكون لدينا كلام بنّاء يريدنا الرب أن نقوله، فلنقله ولا نتردّد. ثم ينبّهنا من خداع أنفسنا، ظانّين أن الغضب يصنع برّ الله!، لأن الغضب الجسدي يهين الله، مع أن الرب أحياناً يحوّل الغضب الى تمجيده، فغضب الانسان عند الصليب، حوّله الله الى خلاص وبركة(مز10:76). ان الغضب الذي هو نتيجة للجسد وشهواته يهين الرب، اما الغضب الذي هو بسبب الشرّ ولأجل رفضه، فيمجّد الرب، كما مدح بولس أهل كورنثوس حين غضبوا بسبب الشرّ الذي في وسطهم (2كو11:7). لذلك لنطرح، أي لنتنازل ونتخلّى عن كل نجاسة وكثرة شرّ التي في داخلنا، ولنقبل كلمة الله التي تسكن في قلوبنا، وهي قادرة أن تخلّص نفوسنا وتطهّرنا من النجاسة. يُخطيء مَن يجاهد ويحاول إخراج النجاسة من قلبه بمجهوده الذاتيّ، لأن الحلّ هو الحكم على الشرّ والاستعداد للتنازل عنه، ثم الامتلاء بالكلمة، والكلمة تنقّينا وتطهّرنا. لنخلع الانسان القديم الفاسد ونلبس الجديد المخلوق بحسب الله (أفسس 23:4). لكن علينا أوّلاً أن نعترف بالاثم، ثم نصمّم على تركه تصميماً قلبياً وجدّياً (أمثال 13:28)، ثم نشتهي كلمة الله لكي ننموا بها (1بطرس 1:2). ولكن سماع كلمة الله لا يكفي، بل ربما نخدع أنفسنا ونطمئن أننا نسمع الكلمة واننا لسنا كغير المؤمنين!، لكن علينا بالحري أن نعمل بالكلمة ونقبلها ونطبّقها على حياتنا، واذا كشفت لنا عوجاً، فلنصلحه متّضعين (مز 23:139 -24). ويشبّه يعقوب كلمة الله بالمرآة التي تعكس لنا شروراً لا نراها بأنفسنا. ومع أننا نحيا بحسب ناموس الحرية وقد خلّصنا الرب بالنعمة وأعطانا الحريّة، لكن لا ينبغي لنا ان نُصـيّـر الحرية فرصة للجسد، بل علينا أن نسمع كلمة الله ونقبلها لأنه عندها تُنتج فينا أعمال حسنة تجعل الناس تمجّد أبانا السماوي، لذا نستنتج أن كلمة الله : 1- تولدنا ثانية. 2- تخلّصنا من النجاسة وكثرة الشرّ. 3- تُظهر لنا الشرور كالمرآة. 4- تجعلنا مُكثرين ومغبوطين في الأعمال الحسنة. " لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى" (كو3: 16) ويكشف الكاتب لنا عن التديّن الحقيقي فيقول انه: 1- لجْم اللسان وضبْطه، لئلا يخرج من الطبيعة الساقطة فساد. 2- الأعمال الصالحة كافتقاد المحتاجين. 3- الطهارة والانفصال عن كل شبه شر وحفْظ النفس من كل دنس. أيها الاخوة الأحباء، ان الايمان الصحيح والتعليم الكتابي السليم يوصلان حتماً الى حياة عمليّة مثمرة تمجّد الله، أما الايمان بالكلام دون عمل، فلا قيمة له أمام الله والناس.. لئلا نخدع أنفسنا وقلوبنا ونزيغ ونحن لا نعلم. فالرسول بطرس يقول "طهّروا نفوسكم في طاعة الحق" (1بط 22:1) وليس في معرفة الحق فقط.